فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 711

فتوقف الركب حتى أبدلت ثم انطلقوا بنا .. كنا نرى الشاحنات وبعض السيارات الأخرى منطلقة في الليل ومع الفجر إلى هدفها، ونظرت باستغراب وأسى إلى هذه الدنيا أهي لا تزال كما هي؟ الناس يغدون ويروحون لا يدري بحالنا أحد، ألا يدري هؤلاء السائقون بما يحمل هذا الباص الصغير من بشر حجزوا عن الدنيا ومنعوا من كل شيء، وعذبوا أشد العذاب وهاهم ذاهبون إلى المجهول ربما إلى تدمر ألا تدرون؟ هكذا في جنح الظلام يتحرك الركب المسلح يقود أشخاصًا ليسوا والله بمجرمين، هل من مخبر للأهل بما جرى ويجري؟ هل من قائل إلى أين يذهب بنا؟ تجرأ أحد المعتقلين وسأل: إلى أين تذهبون بنا؟

فقال له عنصر المخابرات مشفقًا: بعدين بتعرف، وتذكر أبا سعيد فقد قال بعد عودة عناصر المخابرات من توصيل المجموعة السابقة: إنهم كانوا متضايقين جدًا من إعادة تسفير المعتقلين إلى تدمر، وأنه بدا عليهم الوجوم والحزن وأسر بعضهم بعد العودة لأحد المعتقلين: اليوم الواحد بستين .. ولم أحفل بالأمر كثيرًا كما لم أعره كبير اهتمام (ويا خبر بفلوس بكره يجيك ببلاش) كما يقول المثل الشعبي، فغدًا نعرف وإن غدًا لناظره قريب.

اليوم الأول

أشرقت الشمس ونحن سائرون وقد تحول اتجاه السير من شمال شرقي إلى شرقي تمامًا، وغزا الأرض نور الصباح، فأي صباح صباحنا؟ (رب أنزلني منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين) أي حال سوف تكون عليه بقية اليوم؟ أبدًا لم نكن نتوقع ما كان ينتظرنا من أهوال .. وهكذا بدت المعسكرات على الطريق، ثم شارفنا تدمر ودخلناها مع أول النهار، وشاهدنا عن بعد الآثار الرائعة لمدينة تدمر التاريخية، وذكرت زيارة بعيدة لهذه الأماكن أين أنا الآن منها؟ مررنا بسوق تدمر وإذا الناس يغدون ويروحون وقد فتحت المحال أبوابها والمقاهي وغيرها، وكنت أنظر من نافذة السيارة (وهذا أمر نادر الحدوث ومعاملة لم يحلم بها المعتقلون بعد ذلك، حيث كانوا يجبرونهم طول الطريق على طأطأة رؤوسهم حتى يضعوها على أرض المقعد الذي يجلسون عليه وضرب الخيزرانة والكبل مستمر طوال الطريق، وقد بقي رأس أحدهم ينزّ قيحًا ودمًا شهرين كاملين بعد تلك الرحلة الرهيبة. كنت أنظر إلى الناس يغدون ويروحون وكأني أقول لهم: ألا تعرفون ما تحمل هذه السيارة؟ نحن معتقلون جدد قادمون إلى سجن مدينتكم هذه.

ووصلنا إلى مدخل يحرسه عسكري بالقبعة الحمراء والسلاح الكامل .. أوقفت السيارات ولم يسمح لهذا بالتقدم حتى تقدم مساعد يضع القبعة الحمراء ويزيّن عضده بثلاث نجوم على رقعة حمراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت