ورفض طلب رئيس المحكمة في أن يكتب أقوالي هذه، وجيء بآخر (ن) إلى المحكمة في ذلك اليوم معنا ولما حقق معه واستجوب، راح ينفي التهم الموجهة إليه، وإذا بالقاضي يوقفه ليقول له: يكفي أنت ماشي حالك ويسجل له النقيب عبارات الإنكار من عنده وكنا نعرف قضيته كان متهمًا بالتعامل مع تاجر سلاح ويبرأ (ن .. ) واحترت في أمري وجلست في الجماعية ساهمًا .. كيف يجري ذلك ولم؟ ولكن الأخوة هونوا عليّ الأمر وعزوني وقالوا لي هذا هو القضاء الأسدي ومن يعش رجبًا يرى عجبًا، فالأحكام تأتي جاهزة من فوق، والقاضي ليس له من الأمر شيء، فاترك الوساوس وتوكل على الله.
وذكرت قولة القاضي للسيد (ن .. ) (يكفي أنت ماشي حالك) كيف يمشي حاله رأسًا من أول الاستجواب ولا يمشي حال كثيرين غيره من الأبرياء؟ أبرياء لم يرتكبوا ذنبًا ولا جريمة وإذا بالأحكام توزع علينا وفيها من العشر سنوات إلى المؤبد إلى الإعدام برصاصة في القلب في زنزانة من زنازين المزة.
سلمت على الموجودين من محامين ومهندسين وغيرهم، وكان منهم الأساتذة أبو معروف وجورج بدرة وأبو سعيد ورئيس لجنة هامة في الدولة هي لجنة الإشراف على السجون والمساجين، وهو يحمل دكتوراه في الحقوق ولما تعرفت إلى رئيس اللجنة المذكورة نظرت إليه مستغربًا فعلم حالي فقال: من بديهيات الإشراف على السجون دخولها!!
قلت: ولكن للإشراف لا للإقامة؟ .. وضحك الجميع ..
وتلقوني بجملة من الأسئلة عن أحوال البلد والأحداث والمجازر التي سمعوا شيئًا ما عنها وكان أهم سؤال: ماذا تعرف عن مجزرة جسر الشغور ومجزرة أريحا؟
فوجئت بهذه الأسئلة التي نقلتني من أجواء مصيبتي ومحنتي إلى أجواء ماضية ليست بالبعيدة كلها محنة وعذاب وإرهاب. لقد كنت شاهد عيان في أحداث هذين البلدين الطيبين: أريحا وجسر الشغور .. شهدت المأساة كاملة ورأيت الدماء الحارة تتدفق على الأرض مهدرة قد أراقتها أيد مجرمة تتصرف برعونة وطيش وحقد وتزهق أرواح الناس بلا حساب وكأنما تقتل ذبابًا .. وها أنا أمام جمع من المحامين رجال القانون ومهندسين مثقفين .. كم كنت أود أن أصرخ وأحكي هذه القضية لهؤلاء الرجال ولكن ها هي يد الظلم قد جمعت القاضي والمجني عليه في سجن واحد، وركلت القانون وطبقت على رجاله قانون الغاب وشريعة الوحوش.
وأقبل أحدهم يحدثنا عن اجتماع المجلس العام لنقابة المهندسين الذي حدث قبل بضعة شهور، وكيف اتخذ عدة قرارات منها المطالبة بإطلاق الحريات العامة والإفراج عن المعتقلين وإيقاف العمليات اللاقانونية وإعادة المسرحين وغيره، ولدى عرض القرارات على المجلس صوّت المجتمعون