طلبت في ظهر يوم 24/ 8/1980 جاء السجان فوقف بباب الغرفة ونادى باسمي وأمرني بالقيام معه دون تلكؤ أو إبطاء، واقتادني إلى الطابق العلوي وأدخلني بعد انتظار يسير مكتبًا في آخر الممر إلى اليسار كانت هناك طاولتان إحداهما كبيرة وعريضة، ووراءها يجلس رجل نحيف كأنه قزم وفي يديه كانت تلمع خواتم ذهبية وعلى لوحة في مقدمة الطاولة كان اسمه بأحرف كبيرة (النقيب سليمان حبيب) وبجانب تلك الطاولة منضدة أخرى أصغر منها يجلس إليها آخر، وأمام الطاولة الأولى كرسي أجلسوني عليه وطلب مني النقيب أن أحدثه فأخبرته بأمري: موظف بسيط في بلد غريب، علاقاتي بالناس محدودة، ليس عندي ما أخفيه. وتابعت:
-عذبني رجال المخابرات كثيرًا وأجبروني على التوقيع على أوراق لا أدري ما فيها.
-وبعد بضعة أسئلة سألني إياها قال لي: لاصت معكن ..
-ثم أخذني السجان فأعادني إلى الطابق الأول وأنا في (شبه ذهول) وأدخلني الغرفة رقم (3) غرفة المحامين التي سمعت بها قبلًا، وإن فيها محامين ومهندسين، وقد سألت يومها مستغربًا عن سبب اعتقالهم ووجودهم هنا؟ ولم أحظ بجواب يفسر هذا الأمر المعضل. وفكرت في القضاء وحرمته والمحامين ودفاعهم واختصاصاتهم بالدفاع عن الناس فلم لا يدافعون عن أنفسهم والقانون في عقولهم وهم أخبر الناس به وبالحقوق التي يصعب على غيرهم من البشر معرفتها .. ولهم أصدقاء كثر من القضاة ورجال القانون أفلا ينصفونهم؟.
قال أحدهم: هذا لما كان هناك قضاء وقضاة، أما الآن فأصبح كل ذلك صورة فقط، فالمحاكمات صورية والقضاء ممثلون بل أجراء يقرؤون صحيفة فيها كلام جاءهم من فوق ..
استغربت ذلك كثيرًا ولكن ما اطلعت عليه بعد ذلك وما سأرويه لكم يكشف الستار عن مهزلة القضاء والقضاة في دولة اللا قانون الأزلام والمحسوبيات والطائفية ..
كان الأخ (م .. ) من إحدى المحافظات البعيدة كان زميل السجن في الأيام التي مرت بي ولا يزال هو يعيشها، إن كان لا يزال حيًا. قال: قبض علي في العاصمة وأودعت زنزانة في سجن المزة العسكري، وتعرضت لبرنامج طويل من التعذيب والضرب الرهيب، فاعترفت بما أرادوا وقلت كل ما طلب مني، وقدمت بعدها إلى محكمة في نفس المكان فيها رتب عالية (لواء عميد) نظن فيها الفعالية والقدرة ولكن رتبة صغيرة كانت تسيطر على أمور المحكمة كلها (نقيب) فيستجوب المتهمين ويكتب ما يروق له من أقوال سواء أراد اللواء (رئيس المحكمة) ذلك أم لم يرده. يقول الأخ المعتقل: لما أحضرت مع آخرين إلى هذه المحكمة تكلمت بما عندي وأخبرتهم بجلاء ووضوح أني بريء لم أرتكب أي ذنب وأني تعرضت لعذاب رهيب مدة طويلة وإن ما في هذه الأوراق غير صحيح (مع أنه غير ذي بال) ولكن النقيب أبى أن يكتب كلامي بل كتب أشياء أخرى وسخر مني ونهرني