فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 711

المرض والسجانون

كنت مريضًا من ثلاثة أيام بالتهاب اللوزتين الحاد، مثلت أمام طبيب المعتقل البارحة وجاء الممرض اليوم يوزع بعض الدواء. سألني عن رقمي فلم أعرفه، فبحث عنه حتى وجده فقال (بدي قلع عينيك إذا نسيت رقمك) أزعجني هذا الكلام ولم يدر بخلدي أن أتمناه وأتحسر عليه فالأمور نسبية.

حدثنا أحد المعتقلين عن السجانين وأنهم عناصر من سرايا الدفاع المشهورة يؤتى بهم إلى هنا وهم قساة غلاظ الأكباد لا شفقة عندهم ولا رحمة، وما يمضي إلا القليل حتى تلين قلوبهم بما يعرفونه من حقيقة أحوال المعتقلين، فتخف حدتهم إلا الطائفيين مثل سعيد، فنراه ووجهه يقطر سمًا وحقدًا، ومن يجسر أن يكلمه فيده سريعة إلى الضرب الأليم وإلى كل أذى ويا ويل من يقع تحت يده. وإلا أبا محمد الطويل الكالح (وهو نصيري) فلم يؤثر فيه طول المدة ولا أحوال المعتقلين التي تدمي القلوب، فهو شرس شديد الحقد يستعمل يديه ورجليه وأسنانه إضافة إلى العصي والكبلات ولقد دخل قبل مجيئنا بيومين على مجموعة من الإخوة الحلبيين قدموا حديثًا وكانوا هنا في غرفتنا هذه، دخل والخيزرانة في يده فأوقفهم على الحائط وأوسعهم ضربًا حتى شفى غيظه وما اكتفى ..

ولما جيء بحسني عابو إلى هذا المكان قبل بضعة أشهر كان أبو محمد هذا يدخل عليه الزنزانة وينقض عليه بالضرب والرفس واللكم وما يتركه إلا بين الموت والحياة. أبو محمد هذا لا يقدر سنًا ولا يرحم بريئًا ولا يأبه لخلق أو مبدأ. وأضاف في سخرية: ومن طباعه أنه شره أكول دنيء، فإذا جيء بالطعام بعد الظهر انقضّ على كمية اللحم القليلة أصلًا فصال فيها وما ترك هبرة جيدة إلا أتى عليها يأكل أكل الفيلة يبلع وما يشبع، ويخبئ ما لم يستطع أكله في الظهر إلى المساء، وإذا كانت اللحمة دجاجًا مسلوقًا ولمئة وخمسين شخصًا يكون هناك بضع دجاجات فوق الأرز المطبوخ فإن أبا محمد يهاجم الدجاجات المسكينات فيدعهن جميعًا بلا أفخاذ، فهنا ظهر معقور وصدر منزوع وعظام خاوية مجردة.

أشبال في المعتقل

وجيء إلى الغرفة رقم (6) المجاورة والمشتركة معنا في المنافع، جيء بحوالي اثني عشر شابًا لا يتجاوز أكبرهم السابعة عشرة، لم ينبت في وجوههم الشعر بعد، أحدهم طالب في الثالث الإعدادي، وآخر طالب أول ثانوي والباقون حول ذلك، وكانت لديهم أخبار كثيرة ومثيرة ووجودهم نفسه كان مثيرًا، فقد تجمع حولهم عناصر المخابرات والسجانون فور وصولهم يتفحصونهم بدهشة وخوف واستغراب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت