والصدق فعليه رحمة الله. كان رحمه الله تقيًا ورعًا أراد أن يصوم إضافة إلى رمضان شوال وذي القعدة وعشرة ذي الحجة، وهكذا ثابر على صيامه في الحل والترحال، وفي العذاب ورغم كل الظروف البيئية التي كنا نعيشها .. تسحر قطعة خبز وقطعة جبن ثلاثية ابتلعها مع قليل من الماء، وتوضأ ومضى إلى ربه صائمًا. طلب قبيل الفجر مع نفر آخرين فعصبوا عيونهم وأوثقوا أيديهم إلى الخلف وساقوهم إلى المشانق ليصرخ والحبل في عنقه (الله أكبر الله أكبر) ومضى إلى ربه صائمًا. كان ذا شعور رقيق ونفس حساسة ولقد شهدته يومًا بعد حفلة تعذيب رهيبة اكتوت فيها أجسامنا العارية بلسعات الكرابيج وبهداتها وتركت فيها خطوطًا عريضة سوداء نافرة بعضها فوق بعض، وجلدًا ممزقًا ودمًا نازفًا ودخلنا المهجع نلهث من التعب والإرهاق والرعب، ونشكو إلى ربنا ما يسومنا هؤلاء المجرمون من ظلم وقهر وعذاب. ويقول بسام: وعلى وجهه إمارات الاستغراب الشديد (يا رب عجيب أمرهم. يا رب ما هذا الظلم؟؟ ما هذا؟ .. أيستمتعون بالعذاب .. بعذابنا؟) نعم يا بسام وبموتنا يفرحون وينتشون فتعسًا لهم وخزيًا إلى يوم الدين.
كانت هذه هي نتيجة التعبير عن الرأي بصراحة لدى هؤلاء الوحوش الأسديين.
كان بين الشيوعيين نقاش مرة فقال أحدهم: أنا مستعد إن طال السجن أو ضاق بي الحال أن أترك العمل السياسي وأخلص وأخرج من السجن فورًا .. وعلى كل فللشيوعية مواقف متعددة الوجوه في الوقت الواحد، فالشيوعيون الأمميون (البكداشيون) مؤيدون للدولة وشيوعيو رابطة العمل الشيوعي معارضون وشيوعيو مالا أدري قدموا طلبات انتساب لحزب الرئيس وقدموا أنفسهم جنودًا له.
فالسيد الديري المتلبس بموقف المعارض ما أسهل عليه كما صرح هو أن يطلب مواجهة المحقق أو رئيس مركز المخابرات ويتعهد له بترك العمل السياسي وبتغيير الموقف، بل ويخلع الفكرة كلها .. والمحقق أو رئيس المركز يجد في هذا حلًا مناسبًا وجيدًا بل وكسبًا، فقد غيّر الرجل فكرته وحوّل وجهته.
أما بالنسبة للمسلمين فالأمر يختلف جدًا، فالموقف المتلبس به أصيل وليس هكذا يسهل تغييره، إنه عقيدة لن تبرح الإنسان المسلم حتى الموت.
وقد حدث أحد رؤساء فروع المخابرات في حلب بعض المتوسطين لديه بشأن شاب معتقل فقال: (أنتم لا تعرفون هؤلاء الشباب الإسلاميين إنهم لا يتركون نشاطهم ولا يقبلون أي تنازل عن أفكارهم أو عقيدتهم. كم من مرة جاءنا أمثالكم يشفعون في بعضهم فنترك له سجينهم بعد التعهد بترك العمل الإسلامي، فلا يمضي وقت قصير حتى نراه أو نصطدم به وقد صعّد من نشاطه أو حمل السلاح ضدنا(ولهذا أسبابه) لذلك فالمحقق ورئيس المركز والجميع يعلمون حق العلم أن الموقف الإسلامي موقف عنيد لا يوقفه شيء ولا يحوله عن طريقه عذاب أو إرهاب أو سجن.