فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 711

المهندس بسام نابلسي الشاب الساذج البسيط الذي لم يكن في تفكيره أن يواري شيئًا أبدًا، ولم يفعل ذلك وهو ما ارتكب جريمة ولا خالف قانونًا ودستورًا. كان مهندس ميكانيك يعمل بجد ونشاط واستقامة. عاش هكذا يفعل ما يؤمن به ويلتزمه باستقامة، ليس في حياته أسرار ولا أشياء يخفيها، كل أموره هكذا واضحة جلية فلا خفاء ولا تستر يرى أنه إن كان من عيب فيجب كشفه لا ستره حتى يصلح. وهكذا وجد نفسه يومًا في غرفة التحقيق والدولاب يلفه ويضم الرأس إلى الرجلين. كان يسأل ماذا أجرمت؟ ماذا اقترفت؟ وبعد عذاب وكهرباء لم يكن هناك شيء أبدًا إلا وجود اسم أخينا هذا في فهرس الهواتف في مفكرة أحد الأخوان المسلمين، وكانت حصيلة التحقيق المر انتزاع اعتراف منه بمعرفة ذلك الشخص وأنه جلس معه في بعض المناسبات وتحادثا في بعض الأمور التي لا يذكرها بل وقرأ مرة في القرآن الكريم وأثبت المحقق ذلك في ضبطه وأرسله مع المعتقل من مقر المخابرات في حمص إلى مقر المخابرات في دمشق كما جرى لنا جميعًا، وعرض علي ما قيل بعد ذلك أنه القاضي العسكري (إنسان شاذ حاقد يحكم بهواه وحقده الطائفي) فلا ممثل اتهام ولا دفاع حتى ولا يعرف المتهم أنه في محكمة بل يعرف أنه أمام محقق يهدد بالدولاب والعصي والكهرباء وبالرش والقتل رميًا بالرصاص، ومثّل المهندس بسام أمام (القاضي) فسأله بعض أسئلة فأجاب عنها ثم قال له الأخ بسام: لم تعتقلونني وتعذبونني؟ ألأنني قرأت بضع آيات من القرآن؟ ماذا أجرمت؟ هذه هي جريمتي إن كانت جريمة. ففكر القاضي مليًا ثم سأله: ما رأيك في الإخوان المسلمين؟ قال بسام: جماعة صالحين مستقيمين، وإن كنت لا أوافقهم في بعض الأمور.

فقال له القاضي: هكذا إذن فما رأيك في الحكام الحاليين؟

قال بسام: أنتم أدرى؟

قال القاضي: لا لابد ..

قال بسام: إنهم غير صالحين ولا مستقيمين.

قال القاضي: آخدين عقلك الإخوان أليس كذلك؟ قم إلى مكانك.

جاء الأخ بسام يحدثنا بما جرى معه، فلامه بعضهم على هذه الشجاعة التي في غير محلها وقالوا له: عرّضت نفسك للخطر (ولم نظن أبدًا أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه) كان رأي الأخ بسام الذي يعلنه بصراحة أنه يجب علينا أن ندعو هؤلاء الحكام إلى الإسلام وإلى الخير والصلاح، وإذا عرفنا كيف نفهمهم أحقية هذا الدين وخير الإسلام فلن يتوانوا عن التزامه، وعلى كل ندعوهم ونصبر عليهم ونتحمل كل أذى ينالنا في سبيل الدعوة، فهو لا يرى ولا يوافق على مجابهتهم.

ومضت الأيام ونقل بسام إلى (تدمر الموت) وعاش الأيام الكالحات وذاق من العذاب ألوانًا، ثم سيق إلى الإعدام شنقًا في فجر يوم من أيام تشرين الثاني 1980، وقضى شهيد الرأي والصراحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت