فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 711

وضعونا في سيارة اللاندروفر ذات القفص الحديدي، وسارت بنا خلال شوارع مدينة دمشق، وإذا الناس في غدو ورواح لا يشعر بنا أحد، وإذا المحال مفتوحة والأبواب والحياة الطبيعية لم تقف ولم تتعطل .. كان البعض يفكر: ماذا سيعمل إن أفرج عنه، وإلى أي مكان سيذهب؟

وصلنا إلى بناء عرفة أحد الموجودين فقال: هذا هو المركز الرئيسي للمخابرات العامة المسمى (كفرسوسة) إنه الفرع (285) ودخلت السيارة ضمن حواجز وحراس وأبواب ضخمة، ثم وقفت في باحة واسعة واقتادونا إلى بناء ذي طابقين فأدخلونا فيه، وفي مكان واسع في المدخل وضعت طاولة وسرير وكرسي وتلقانا شخص أسود الوجه شديد السمرة متوسط القامة ممتلئ الجسم، بل بدين له سحنة مغبرة وصوت مبحوح قال بجفاء: وقفوا هون ..

صفنا وفتشنا جميعًا وهو مكشر جامد الوجه وكأنه يعامل أدوات سيئة يجب الحذر منها، ومن ثم أدخلنا في ممر طويل قادنا إلى الزنزانة رقم (5) .

وجدنا هناك ثمانية أشخاص من المعتقلين، وكان البناء الذي دخلناه ذا طابقين وطابق أرضي، وكانت صورة المكان الذي دخلته كالآتي: هناك باب يفضي إلى ممر طويل وعليه تفتح مجموعة غرف ولكل غرفة منافع في داخلها إلا الغرفتين (5، 6) فإن لهما منافع مشتركة يفتح لهما بالتناوب في أكثر الأحيان، وفي الغرفة (3) كان يوجد المحامون وبعض المهندسين، وفي الطابق الأرضي يوجد غرفتان (1، 2) وثلاث مزدوجات ومجموعة من الزنازين الانفرادية وفي الغرفة (2) كان يوجد المهندسون وما لبثنا إلا قليلًا حتى جيء ببقية الأخوة الذين كانوا في الحلبوني وقد أفرغ من كل من فيه إلا الشاب الشيوعي وأخاه وشخصًا آخر له علاقة بهما، وتاجر سلاح كردي وسائق براد أجنبي، كان يقود سيارة مليئة بالسلاح، ورجل سوداني كان يقسم أن يذهب فور الإفراج عنه إلى أفخر مطعم ليشرب خمرًا حتى السكر، وذلك بعد وجبة ثقيلة مما لذ وطاب.

وكان في الحلبوني أربع نساء على الأقل، إحداهن حامل ومعها أطفال ولا أدري إن كانت هؤلاء النسوة قد نقلن إلى كفرسوسة أم لا، ولكن تبين لي أن في معتقل كفرسوسة نساء أيضًا، وأنهن يفتشن أدق تفتيش من قبل رجال المخابرات، وقد عثر مع إحداهن عند الإفراج عنها قصاصة ورق فيها سلام من أحد المعتقلين إلى ذويه، فأوقف الإفراج عنها ولا أدري ماذا جرى بعد ذلك.

ولما استقر بنا المقام في الغرفة رقم (5) سلمنا على الجميع وممن تعرفت عليه: المعتقل القديم أبو سعيد، وكان سياسيًا عريقًا لذلك كنت تراه خبيرًا بالأمور والأحداث يجيد الحديث ويتقن الاستدلال والاستنباط وعنده الشواهد والأمثلة، ولا يعوزه على ما يريد الدليل، ولطالما حدثنا عن مخازي الحكام النصريين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت