وكان أبو سعيد قد أمضى في الحلبوني وكفرسوسة زهاء سنتين، فسألناه عمن مرّ به من أشخاص فذكر لنا بعض الشخصيات التي مرت به، فكان منهم الأستاذ أحمد كيالي مدرس اللغة الإنكليزية الشاعر الإسلامي النابغة، وقد بقي معه في غرفة واحدة عدة شهور، وكان وقتها مسموح بالقلم والورق، فكان أحمد كيالي (أبو إياس) يكتب الشعر الجميل يعبر به عما هو فيه وعن مشاعره ورؤاه، وكان أبو سعيد يحفظ بعض مقاطع من شعره، وأرشدني إلى شباب في غرف أخرى يحفظون بعضًا من قصائده، ولم أتمكن من رؤيتهم في وقتها، وكان أبو سعيد ولوعًا به يتمنى أن يفرج الله عنهما ليصحب هذا الشاب وأمثاله. وحدثنا عن والد لعدة شهداء (وهو موظف كبير في مدينة حلب رجل في الخمسين من العمر، مكتمل الرجولة والأدب، نيّر الفكر لم ير له مثيلًا، كان له ولدان استشهدا في غارة من غارات قوات السلطة في مدينة حلب، ولم يكن الوالد يدري حتى ذلك الوقت بالأمر، فقد كانوا يخففون الأمر ويكتمونه عنه خشية عليه وكان أبو خالد يعاهد ربه(لئن فرج الله عنهما) أن يحج في نفس السنة مع أبي الشهداء هذا، وحدثنا عن أمين الأصفر الشاب القوي في جسمه وخلقه ودينه صاحب اللحية السوداء الذي لا يخشى في الله لومة لائم، وأن شعار الإخوان المسلمين كان ملصقًا على دعامة السقف رسمه الأستاذ أمين وألصقه نكاية في المخابرات، وعن عبد الله الطنطاوي وكيف اتفق مع الدولة هو ورجال الإخوان الآخرون على إيقاف سفك الدماء وأنه لما أفرج عنه مرّ بجميع الغرف فودع الجميع وأنه قال لجميع المساجين: نحن اتفقنا مع الدولة على إخراج المساجين المعتقلين، وعلى أن نحول السجون إلى مدارس، وحدثنا عن إبراهيم عاصي وتقاه وأدبه وفكره النيّر. يقول أبو سعيد: كل الإخوان كانوا هنا رجالًا، ولا كل الرجال شبابًا مهندسين وأطباء ومدرسين بناة أمة ومربي أجيال هم الناس هم صنعوا هذه الرفوف التي ترون. هنا كانت الكتب تملأ هذا المكان، وهنا جرائد اليوم وهناك جرائد الأمس وهذا برنامج الدروس ملصق على الباب وفيه من كل علم وفن .. وإن المخابرات أخذوا كل ذلك دفعة واحدة في غضبة عارمة لا ذنب لنا فيها .. أخذوا الكتب والدفاتر الشخصية والأقلام وديوان شعر لأبي إياس وغير ذلك .. أخذوا كل ذلك فما أبقوا منه شيئًا، ومنعوا عنا كل شيء حتى المشتريات بقيت ممنوعة فترة طويلة وحتى الآن لم تعد إلى ما كانت عليه، فلا خضار ولا فواكه، ولا شيء إلا ثياب وسكر وشاي.
وسألناه: وأين أولئك الرجال يا أبا سعيد؟
فقال: أخذوهم إلى تدمر كلهم كل أسبوع كانت تذهب من هنا دفعتان إلى تدمر وعندما طلب أبو إياس إلى رئيس الفرع حيث سأله: ما رأيك يا أحمد في الحكام الحاليين؟ قال: جناة. كلمة واحدة نقل بعدها إلى تدمر مع المنقولين .. دفعات كانت تأتي إلى هنا تبقى أيامًا قليلة ثم ترحل إلى تدمر .. يا ليتهم أخذوني معهم حتى أموت كما ماتوا.