يعطى مبلغًا ضخمًا من المال (10) عشرة آلاف ليرة سورية فورًا لمن يقتل أي واحد من الشعب فعل شيئًا أم لم يفعل ولأورد الدليل كشاهد عيان: كان سمير الدج يعمل مع أبيه في مقهى صغير بجانب سوق الميكانيك في مدينة جسر الشغور على اليمين الدخل إلى المدينة من جهة طريق حلب. وهو شاب لطيف طيب القلب عمره (16) سنة لم يتمرس بشقاوات الأولاد. كان طيبًا بكل ما في الكلمة من معنى ذهب مع أبيه إلى المقهى صباحًا وقبيل المغرب حمل غلة المقهى ولحق بأبيه إلى البيت فقد كانت خطة معروفة لأبي سمير أنه لا يفتح مقهاه في الليل أبدًا ولا يسمح للمقامرين أن يقامروا فيه مهما كان الأمر. وفي الطريق لمح الشاب عساكر الوحدات ذوي البدلات المبرقعة تقطع الطريق وكان الجو العام في البلدة قاتمًا فأحداث الجسر لم يكن قد مضى عليها إلا قليل، فانفتل الشاب عائدًا ليغير طريقه بعيدًا عنهم ورآه أحدهم فصرخ به فأرعبه وأربكه فأراد الابتعاد ولكن الروسية كانت ملقمة واليد على الزناد فبادرته برشة من الطلقات النارية، فسقط الغلام مضرجًا بدمائه، وضحك المجرم ضحكة السعادة الفاجرة، وجاء ينظر إلى الضحية ويغنم غلة المقهى التي تعب الغلام وأبوه فيها طوال النهار، ويتساءل الضابط شامتًا: ألم يمت بعد؟
ويقرر من عنده (مات وشبع موتًا) فيأتيه اثنان منهم فيجرونه من رجليه إلى السيارة الشاحنة الواقفة غير بعيد، فيلقونه فيها ويقف القاتل واضعًا رجله على جثة الطفل الضحية في وضع بطولي يحتاج إلى صورة تذكارية، والروسية مهيأة والإصبع على الزناد وتنطلق السيارة.
مزقت الأم ثيابها وقطعت شعرها واعولت وألقت نفسها على الأرض وهي تبكي .. ووضع الأب يديه على رأسه وانهد باكيًا في حزن يهد الجبال: يا سمير يا ولدي يا سمير .. يا سمير .. وقبض القاتل المكافأة (10) آلاف ليرة كاملة لا تنقص قرشًا، ورفض ضابط الوحدات الإجابة عن أي سؤال، ورفض تسليم الجثة إلى ذوي القتيل بل سلموها لمكتب دفن الموتى في المحافظة ليتولى دفنها سرًا، وسارع الوالدان إلى مكتب الدفن وأشفق عليهما المسؤولون وسمحوا لهما برؤية ولدهما القتيل فألقيا النظرة الأخيرة على طفلهما وأكبا يقبلانه ويشمانه وهو جامد بارد فاغر الفم وفي صدره ينابيع دم متجمدة .. ماذا تفعل الأحزان؟ وماذا تفعل الآلام؟ لن تفعل شيئًا إلا أن تحفر في القلب جروحًا غائرة لا يمحوها إلا عدل إلهي يعاقب المجرم على جريمته، بل لقد ارتفع ثمن القتل كما عرفت مؤكدًا فأصبح (20) ألف ليرة بدل عشرة آلاف، ففي جامعة حلب وبالذات كلية الهندسة، والطلاب في امتحان يكتبون ويعملون وإذا بالمخابرات تقتحم قاعة الامتحان لتوقفه ولتأخذ الطالب الجامعي (محمود) وتقتاده إلى سجونها المظلمة، أمسكوا بتلابيبه وهو الشاب الرقيق الغض الإهاب الحيي الخجول. حدث محمود نفسه: (يا رب إليك ألجأ - أهكذا يجرونني إلى الموت وأنا مستسلم كالخروف- وخاطب نفسه: أنت بريء وأي براءة عندهم لا تشفع، يكفي أنك تصلي وأنك مسلم