فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 711

كانت أيام رمضان المبارك وصمنا نحن المعتقلين المنقولين رغم رخصة السفر .. وحرّاسنا مفطرون طبعًا. وصلنا إلى دمشق فسجن الحلبوني مع المساء، وكان السجانون في المحافظة من نوعيات مختلفة. كان أحد الجلادين يأتي فيتفقدنا في الصباح وقبل التحقيق ويسأل: (كيف حالكن) ؟ وكنا نظن به خيرًا، وإذا هو خبيث كزملائه يريد أن يتعرف على حال من سيجلدهم في التحقيق ليعرف مدى تحملهم، وكان السجّان سعيد مثال الغباء والقسوة.

كما سجن مع الأخوة في إحدى الزنازين عنصر مخابرات ارتكب مخالفة وكان شديد الإيذاء للأخوة جاهلًا متغطرسًا ينظر إلينا باحتقار، فلما عايش الأخوة يومين إذا به ينقلب حملًا وديعًا وإذا بالندم على ما فات يقرع قلبه، فكان إذا خلا بنا بعد ذلك أو بعدت عنه عين الرقيب يقول: أنتم أعمامي وإخوتي ويبدي أسفه وحزنه على ما بدر منه تجاهنا ..

في القاع سنتان في سجن تدمر الصحراوي

في معتقل الحلبوني

معتقل الحلبوني قصر قديم مؤلف من طابقين وملحق صغير وقبو وأمامه حديقة واسعة ويحيط به سور عال وأسلاك شائكة، وعلى يمين الداخل في الحديقة قبو طويل فوقه غرف وأمام بابه فسحة يسيرة 3×2م مشبكة بالحديد كالقفص، وعلى اليسار الدخل في أقصى غرفتان أيضًا.

أدخلتنا الدورية إلى مكتب في زاوية البناء اليمنى وتلقانا هناك عنصر من المخابرات سلمه رئيس الدورية أوراقًا لا شك أنها تخصنا فاستلمها منه على مضض والتفت إلينا فعدّنا بالخيزرانة وسبنا وشتمنا وهمّ بضربنا. كان فارغ الدماغ، قد حشي ذهنه بأشياء غريبة عبر عنها بقوله: (انتو يا ... لو شفتوني بره قتلوني) ونحن لا قتلنا ولا نقتل أحدًا. كان في ذهنه أن المعتقلين مجرمون هكذا قبل أن تثبت التهمة أو حتى قبل أن توجه التهمة.

سلمنا بعد ذلك إلى سجان آخر يدعى (أبو سميح) فقادنا إلى القفص فوضعنا فيه وسألنا: أنتو صايمين؟ قلنا: نعم. فجاء بوعاء كبير فيه شوربة مليئة بالحصى وقال: كلوا. طلبنا ماء فقال: بعدين. وهكذا أكلنا من الشوربة ما يسر الله. وجاء بعد ذلك السجان أبو سميح فادخل أربعة منا في القبو وقادني وآخر إلى البناء الرئيسي وسار بنا في ممر طويل وفتح بابًا حديديًا ونزلنا درجًا ضيقًا إلى صالة صغيرة جدًا على جانبها أربعة أبواب أدخلني من الباب الأول الذي أفضى بي إلى زنزانة ضيقة معتمة وأدخل الآخر الثانية وكان يبدو من خلال باب مغلق آخر (شودير) جهاز تدفئة مركزي قديم متروك تراكم عليه الغبار وبعد ذهاب السجان سمعت أصواتًا. وفتح شخص النافذة الصغيرة وأطل وجه فتى جميل بلحية شقراء فحياني بقوله: السلام عليكم. ورددت عليه بود: وعليكم السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت