فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 711

قلت: على أي شيء أوقع؟

قال: مالك علاقة يا إما بتوقع يا إما باخدك إلى غرفة التحقيق.

نظرت إلى الأخوة حولي أستفهم منهم. قال (س) : وقع. وأشار بيده: وليكن ما يكون واخلص من العذاب فوقّعت. عرفت في الورقة كلامًا يسيرًا لحظته خلال التوقيع، كان اعترافًا ملفقًا بأشياء لا أعرفها.

وفي اليوم التالي كان في المعتقل حركة غير عادية، فقد جاء أشخاص آخرون ونودي بأسماء منها اسمي. قال بعض الأخوة: نقل. وتذكرت. لقد هددني المحقق في آخر جلسة تحقيق وآخر حفلة تعذيب وقد يئس مني فقال: (والله لأبعتك على الشام يا ... ) ولم أعر الأمر كبير اهتمام فماذا في الشام أو غيرها؟ ولكني عرفت فيما بعد معنى هذا التهديد، ولكن بعد فوات الأوان.

ففي (تدمر) الموت حدثني الأستاذ (ع) مدرس الرياضيات قال: طلبت من قبل المخابرات فهربت واختفيت خائفًا أترقب ومضت أيام صعبة قرابة شهر ولم أكن من المجرمين ولا ارتكبت أي ذنب يعاقب عليه القانون، ولكني متدين أصلي وأصوم وكان لي بعض الأصدقاء المتدينين، ولكن في هذه الأيام الكل مجرم حتى ولو ثبتت براءته، ونحن نرى الذاهب (الذي تأخذه المخابرات) لا يعود، بريئًا كان أم مذنبًا، إلا من رحم الله ليحدث عن العذاب والإرهاب.

ضاقت بي الحال وصعب علي مواصلة الاختفاء فتوسط لي بعض الأقارب لدى مسؤول كبير في المخابرات وأخبره بأمري فقال له بالحرف الواحد: ليس متهمًا بشيء، ولكنه مطلوب إلى الشام ومن يذهب إلى الشام لا يعود فليهرب.

ويتابع الأستاذ (ع) ولم أقتنع، وقلت لنفسي: ما دمت لست متهمًا بشيء فسوف يكون تحقيق يسير فبراءة فعودة .. فسلمت نفسي للمخابرات واقتادوني إلى دمشق ثم إلى تدمر الموت هذا ولم أرتكب والله جرمًا.

إذن الرحلة اليوم إلى دمشق .. ودّعت الأخوة، وعزّ عليّ أن أترك هذا المعتقل الذي عشت فيه أيامًا قليلة، اعتدت فيها عليه، حيث أنني هنا قريب من الأهل وإن لم أكن أراهم أو أسمع عنهم، ولو كنت أعرف تدمر وما ينتظرني فيها لوقفت وجلًا أمام هذه الرحلة.

كنا ستة أشخاص جمعونا من زنازين مختلفة وقيدونا بالسلاسل حتى أصبحنا كتلة واحدة، ووضعونا في سيارة لاندروفر وانطلقت السيارة بنا (وقد ملئت من الأمام والخلف حرسًا شديدًا) إلى دمشق. لم نودع أهلًا ولم نر قريبًا. تركنا وراءنا حياتنا كلها وأهلينا .. هكذا كنت ألقي نظرة الوداع على تلك الربوع التي طالما سعيت فيها بآمالي وهمومي وأقول بحسرة: هل من عودة يارب فقلبي يحدثني أنها رحلة ليس من السهل الرجوع منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت