وعادت النار تسري في جسمي ويغلي بها دمي، وأصبح صراخي ضعيفًا وصوتي لهاثًا لا يكاد يسمع وجسمي ينتفض كريشة تضربها رياح عاصفة من كل مكان، ووقفت النار وعادت المحاورة القاتلة ولا أدري كيف مرت ساعتان من حياتي كأنهما الدهر، وأخرجوني من غرفة التحقيق إلى الممر ثم إلى الغرفة الجانبية, ونزع السجان العصابة عن عيني وأعادني إلى الزنزانة وأنا أستند إلى الجدران وأجر نفسي جرًا، وتلقاني الأخوة يواسونني ويهونون عليّ وقال أخ مهندس: شد حيلك هي ساعة وتزول ..
وسألني آخر: هل تورطت في الكلام؟ وأشرت برأسي كالذي يناطح الصخر: لا .. وكانت الدموع تسيل من عيني ورجلاي متورمتان مشققتان، وساقاي مجروحتان في عدة مواضع. أردت أن أضطجع فما استطعت. كان جسمي يؤلمني أشد الألم، وجالت في نفسي خواطر، ما أحلى أن يصاب الإنسان في سبيل مبدأ سام شريف، تذكرت أنا كنا منذ فترة نسعى لبناء جامع في حينا، وشاركت مع عدد من أهل الحي في العمل بهذا المشروع، وكان هناك الحاج معروف صاحب أرض البناء الذي تبرع بالأرض كلها والتاجر يونس الذي دفع مبلغًا كبيرًا والبناء أبو خالد يشارك باستمرار في العمل والإشراف. وكنت أساعده .. وزلقت رجلي يومًا فوقعت وكشطت ركبتي وتألمت كثيرًا ولكن هون علي ذلك أن هذا في سبيل الله واليوم يصيبني هذا العذاب: لمَ يارب؟ إن لم أكن من تنظيم الأخوان فأنا مسلم وأنت يا ربي كريم، فإني أرجو أن تكون هذه الآلام في سبيلك، وأنها لظلم واقع بي من هؤلاء الطاغين، وأنت يا ربي لا تحب الظلم ولا يضيع عندك شيء .. اللهم انتقم منهم.
أبو اصطيف
كان دور المحقق يبدأ في العاشرة صباحًا ويستمر إلى الثانية بعد الظهر، ومن التاسعة ليلًا حتى آخر الليل. وكان لي في كل يوم جلسة تحقيق في الصباح وأخرى في المساء، وينشغلون عني بعض الأحيان، ويعيدون في كل مرة (فلم) العذاب بأكمله قاسيًا مريرًا رعيبًا, وكانوا يطلبون مني أن أكتب لهم في كل مرة اعترافاتي ولا يعجبهم ما أكتب، فيضربونني عليه أشد الضرب.
فتح السجان باب الممر قبل الظهر وأدخل شخصًا فأوقفه في الممر وتركه ومضى.
قام أحد الأخوان فاسترق النظر من النافذة الصغيرة ثم قال: قادم جديد .. قمت استرق النظر وهالني ما رأيت يا الله .. إنه أبو اصطيف، كان يقف في طرف الممر يلبس بدلة رصاصية اللون مكوية، وكأنه جاء ليتفقد أحوال المعتقل، ناديته: أبو اصطيف. السلام عليكم ..
أجاب: وعليكم السلام.