ويضربون من اشتهوا، والجرذان العملاقة تلك على المواسير فوقنا تترقب أن يغفل أحدنا لتنهش منه أو تنقض عليه!
واعتدت حياة المهجع نوعًا ما، وألفت الإخوة وألفوني. وتعرفت على العديد منهم من محافظات شتى، أذكر منهم الإخوة حسين رشيد عثمان، وابن عمه أيمن عثمان من مدينة الباب قرب حلب. وطاهر جيلو من ادلب. وجمال عقيل وجلال الدين جلال من حلب. ومحمد أرمنازي وجهاد كلاس الحلبي و جعمور و نجار وأسامة فتوحي الجندي من حماة. وتيسير أبو الرز وجهاد حلاق ومأمون العظمة و .... الصفدي وعبد الإله بعلبكي من دمشق وضواحيها. إضافة إلى سالم الحامد والدكتور صالح خوجة. ولقد تم إعدام أكثر هؤلاء الإخوة فيما بعد. وشهدت إعدام بعضهم بنفسي، وسمعت عن الآخرين من شهود عيان.
إلهي أغثني
ولم يكن هناك في تلك المرحلة تعذيب أو تحقيق بفضل الله، أو أنه كان لا يذكر قياسًا بما سبق في فرع المخابرات. فوجدناها فرصة لا تثمن لنسمع قصص بعضنا البعض، ومشاهدات وخبرات كل منا، وأنعم الله علينا فنظمنا برنامجًا للصلوات والأذكار والدروس وحفظ القرآن، ووقتها أتيح لي أن أسمع الكثير من سالم ومن غيره، مثلما كانت بداية إقباليعلى حفظ كتاب الله، فكنت ألازم أخًا حافظًا لكتاب الله من حماة اسمه محمد صادق العون فأحفظ عنه ما تيسّر من سورة البقرة حتى جاوزت نصفها.
واستطعنا وقتها وللمرة الأولى منذ اعتقالي وللمرة الأخيرة ربما أن نصلي جماعة، ورغم أن الحارس كان إذا فتح الشراقة ورآنا نصلي أخرج مجموعة منا وضربهم بلا رحمة، إلا أننا كنا نعاود فعل ذلك ولله الحمد. ففي تلك الرحلة كانت معنوياتنا لا تزال عالية، وثقتنا بالفرج وبالنصر كبيرة، وكنا لا نزال نؤمل أن يأتي المجاهدون بين ساعة وأخرى فيقتحموا السجن علينا ويحررونا!
وأما سالم، وبعد أن هدأت النفوس وأمِنّا المكان جلس وحدثني، وروى لي كيف كان اعتقاله وكيف مضى التحقيق معه. وأكد لي أنه حاول أن يصرف عني ما استطاع، واستسمح مني واعتذر إلي. وكان سالم حقيقة الأمر غير الشخص الذي عرفته من قبل، فهو شخص بالغ التهذيب رقيق المشاعر بطبعه، أصلح ما يكون مربيًا. لكن قرار رميه في معترك هذه المعمعة لم يكن ليناسب مؤهلاته وشخصيته، ولذلك كان دائم السهاد شديد الأسى، يرقب هؤلاء الذين احتشد بهم المهجع بسبب اعترافاته، ويرى أنه إلى الإعدام مصيرهم، فلا يملك إلا أن يسكب الدموع وهو يدعو الله تعالى أن يخلصه. ولَكَمْ سمعته ينشد بحرقة ويقول: إلهي أغثني زماني عصيب!