فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 711

ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا ونحن في هذه الحالة من الجوع والضيق والمعاناة كان قضاء محتمًا علينا أن نشارك الطعام والمقام ضيوفًا من مخلوقات أخرى تؤمن أن كرم الضيافة حق مباح بلا حدود!

كانت الجرذان، والتي أقسم أن واحدها كان أكبر من القط بلا مبالغة، تربت على طعام المساجين الذي يحتجزه السجانون عنا ثم يرمونه في القمامة! هذه الجرذان كانت تتنقل بين المهاجع من خلال قنوات التهوية رائحة غادية، وأثناء عبورها فوق فتحة المروحة التي كانت أعجز من أن تقدم شيئًا لهذا الجو الموبوء، كان بعضها يزلق فيسقط بيننا أو علينا، فيصاب المهجع كله بهستيريا الذعر، ويتراكض الناس يمينًا وشمالًا يريدون أن ينجوا من عضة هذا المخلوق المرعب. ويتدافع الخلق .. ويعلو الصياح .. ولا تنتهي الغارة ويموت الجرذ تحت الأقدام إلا وقد نهش أرجل أربعة أو خمسة منا.

ومع احتشاد المهجع وتزاحم المعتقلين، وبسبب بعض السجناء القادمين من مواطن موبوءة أو غير نظيفة بالأصل، بدأت تتفشى فينا أعرض مرض السل، وانتشر فيما بيننا القمل. وإذا كان البلاء الأول قد أصاب بعضنا وقتذاك ولم يأخذ صفة الوباء، فإن القمل لم يوفر أحدًا من بيننا أبدًا، وانتشر في رؤوسنا وملابسنا وأمتعتنا حتى لم يعد من سبيل لتفاديه. وكنت أنا أكثر الناس الذين قملوا. وكان منظرًا اعتياديًا ونشاطًا مشتركًا لسكان المهجع كل يوم أن نخلع ملابسنا ونتابع القمل فيها فنفقأه بأصابعنا كإجراء وحيد متاح للحد أو التخفيف من انتشاره!

إلى الحلاق

وذات يوم، وبعد أن مضت أسابيع كثيرة على اعتقالنا فطالت شعورنا ولحانا حتى بدونا كالغيلان، صدر الأمر لنا بالذهاب إلى الحلاق. ومضى الطابور بنا إلى غرفة قريبة يتوسطها كرسي وسجان بمهنة حلاق كان يتناول رؤوسنا كالماعز ويمر بآلة الحلاقة عليها حتى نخرج من بين يديه بالقرعة كرأس البطيخ! ولم يكن هذا الشخص يوفر الفرصة ليمتع نفسه بشتمنا ولطمنا بين حين وآخر، وكان واضحًا من لهجته أنه من طائفة النظام.

ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا وبعد هذه المهزلة أمرونا أن ندفع للرجل خمس ليرات أجرة حلاقة الرأس الواحد. تولاها الإخوة الذين كانت معهم في أماناتهم بعض النقود، أو الذين وصلتهم مع طول مدة اعتقالهم زيارات بالواسطة. وبعد ذلك جاء وقت الحمام الجماعي، وساقتنا اللطمات والركلات وفرقعة الكرابيج على ظهورنا إلى قاعة مفتوحة أدخلوا كل عشرة فيها دفعة واحدة وأمروهم أن يتعروا من ثيابهم ويغتسلوا معًا. والجلادون على الباب يشتمون من شاؤوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت