ربما إلى سجن القلعة؟ ولم يكن لنا من حيلة إلا الإنتظار. وسرعان ما وجدنا أنفسنا تتوقف بنا السيارة من جديد، ويأينا الأمر الفظ مع سيل من الشتائم والمسبات بالنزول. ولم تلبث الأيدي القاسية والأرجل والكرابيج أن استقبلتنا بمثل ما ودعونا به هناك، وساقتنا آخر الأمر نزولًا إلى قبو آخر عميق جدًا، لم نلبث أن عرفنا بعد هنيهة أنه قبو فرع مخابرات التحقيق العسكري.
النوم بالتناوب!
أغلق علي باب المكان الذي دخلته وأنا لا أزال مطمش العينين، لكن يداي كانتا مطلقتين. ولم ألبث أن سمعت همهمة تتزايد حولي، وأحسست حركة من جهات شتى. وكأنما أتاني نداء خافت بأن أرفع الغطاء عن عيني الآن .. فاستجبت ببطء .. وبحذر. حتى إذا فعلت وكانت المرة الأولى التي أفتح فيها عيني بلا طماشة منذ اعتقالي، وجدتني وسط مهجع محتشد بالنزلاء، يكاد عدد السجناء فيه يصل المائة، في مساحة لا تزيد عن حجم غرفة عادية! ولم ألبث أن أومأت لمن حولي .. وسلمت، فتشاغل البعض وأشاح البعض .. ورد الآخرون بصوت منخفض.
وسرعان ما لمحت سالم بين الناس فاقتربت منه بالتدريج. فلما حاولت أن أكلمه همس لي وقال:
لا تقترب مني كثيرًا فربما كان هناك مخبرون بيننا!
لكن الحذر بدأ مع مضي الوقت يخف بالتدريج، وبدأت أتعرف على الشباب ويتعرفون علي، لنبدأ معًا مرحلة جديدة من هذه المحنة حافلة بالفواجع والأحداث.
كانت ظروف المهجع في غاية السوء. فمع هذا العدد غير المعقول من الناس لم يكن ثمة مكان لقادم جديد. وكنا إذا أردنا النوم تناوبنا على المكان فينام البعض ويظل الآخرون وقوفًا ينتظرون! وكانت الأنفاس تختلط بنتانة العرق، وتجتمع معها روائح جراحاتنا المتعفنة في هذا الجو السيىء. ولأن المهجع كان يحتوي على حمام بداخله، فلم يكن هناك أي فرصة لمغادرته أبدًا.
وبقيت على هذه الحال ثلاثة أسابيع تقريبًا، كان الباب يفتح خلالها لإدخال الطعام فقط، والذي لم يكن يكفي ليقيتنا الكفاف. فنصيب الواحد منا صمونتان عسكريتان جافتان في اليوم، تصحبهما بضع حبات زيتون أو شيىء من اللبنة أو الحلاوة في الصباح. وعلى الغداء يصلنا بعض الرز أو البرغل مصحوبًا بمرقة حمراء. وفي المساء وعلى وجبة العشاء ننال نتفًا من البيض المسلوق أو البطاطس أو حب الحمص المسلوق. صنفًا واحدًا فقط، ومقدار دريهمات منه وحسب!
القمل والجرذان!