دارت هذه الخواطر كلها في خاطري كلمحة برق، وبدأت أسرد على المحققين الرواية ذاتها موحيًا إليهم أنني انهرت وهذا كل ما لدي. وعلمت فيما بعد أنهم كانوا قد استدعوا سالم والدكتور صالح وسألوهما إن كنت أعرف عن محتوى الرسائل شيئًا فنفى الإثنان. وساعدني ذلك كثيرًا ولله الحمد.
غير أن الأمر لم ينته، وتعطشهم لمزيد من الأسماء ومزيد من الضحايا جعلهم يعيدونني إلى غرفة التعذيب، وأسلموني ثلاثة أيام متواليات إلى الجلادين من غير سؤال أو استفسار. ثم كانت جلسة التحقيق الأخير، وحاولوا للمرة الأخيرة أن يعتصروا كل معلومة أو اسم ربما لا أزال أحتفظ به، وألحوا على أسماء المراسلين بالتحديد، فثبتني الله ولم أذكر اسم أي إنسان بفضل الله، وأصررت على أن صلتي الوحيدة كانت مع سالم إضافة إلى لقائي بالدكتور صالح تلك المرة. فأرسلوني من جديد إلى غرفة التعذيب، لأجد من الأهوال ما أنساني كل الذي لاقيت من قبل هناك!
وانقضت ربما خمس أو ست ساعات علي هذه المرة يتعاقب علي الجلادون وأدوات التعذيب بشكل وقاكم الله شره. وعندما صحوت على نفسي في الزنزانة وجدتني على حافة الهلاك بالفعل. لا أتحسس موضعًا في بدني إلا وجدته مدمى أو مصابًا يشتعل من الألم كما تشتعل في الرماد النار!
مسيرة الأرقام!
وحضر السجان من جديد ونادى من وراء الأبواب على مجموعة من الأرقام ليجهزوا أنفسهم .. وأتاني الصوت البغيض:
13 ولا جهز حالك.
وفيما أخذت الأقفال تصطك بالمفاتيح وترتطم المزاليج الثقيلة بزوايا الحديد التي تحوط مجاريها على الأبواب الصلدة، وبدأ تدافع الأقدام المدماة تتكؤ عليها الأجساد المنهكة يسوقونها مع الصفعات واللكمات ولسعات الكبل إلى المجهول، انتصبتُ مكاني لأنفذ الأمر، وجذبت بنطالي المتراخي لأستعد، فهالني أنه اتسع علي فكأنه أكبر من قياسي بعشر درجات، وأدركت للمرة الأولى أنني فقدت بين عشرة وخمسة عشر كيلو غرامًا من وزني خلال هذه الأيام. ولم أكد أكتشف ذلك حتى فتح الباب وجذبني أحدهم بقسوة، ودخلت ضمن مسيرة الأرقام المتحركة تسوقها اللطمات والركلات والكرابيج.
وكأنما أحس الجلادون أن اللقاء لن يتكرر، ولذة الإستمتاع بتعذيب هذه المجموعة ها هي ستنقضي، فبادروا بالجهد لتعويض الشوق إلى سماع استغاثاتنا وصراخنا، ثم أركبونا وقد شارفنا على الهلاك سيارة مغلقة، ونحن قرابة العشرين شخصًا مكبلي الأيدي معصوبي العيون. حتى إذا بدأت بالتحرك سرت التكهنات في سرائرنا وعلى أطراف شفاهنا: هل هي النهاية؟ أإلى تدمر الآن؟ أم