حديدية فماذا بعد؟ ولو عرفت لقلت أنه أدهى وأمر. أين أنا من الوظيفة والعمل وتقديم الخدمات للناس والعيال وكيف يعيشون بعدي؟ وعلى الدنيا السلام، وناداني صوت من داخل الزنزانة: تفضل يا أخ. نظرت فإذا أناس جالسون وخجلت من نفسي، فألقيت عليهم السلام. كان قلبي يهفو إلى خارج هذا المكان فكيف أدخل؟ وأعادوا الكلام: تفضل يا أخ. هل أقول لهم أنا مستعجل؟ أنا مشغول؟ ورائي عمل أريد أن أعود، وهل ذلك بيدي؟ فماذا أعمل يا رب؟
ولكن .. يبدو أنه لابد من الجلوس. نزعت حذائي وجلست في طرف الغرفة كضيف خجول، فشددوا الطلب: تفضل إلى هنا. قلت لنفسي: يبدو أني حللت بين قوم كرام فليس من المناسب أن أخرج دفين قلبي فأزعجهم، ولكن لسان الحال كان ينبئ عما في الأعماق.
التحقيق والتثبيت
مضى الوقت وألفت الجلوس والنظر إلى الجدران الكالحة، ولكن شوقي إلى رؤية السماء كان حارًا، وألمي من الباب المغلق كان مرًا. حلّ المساء وكانت أيام رمضان شهر الخير الذي طالما أمضيناه في حال من السرور حيث نجتمع على مائدة الإفطار الشهية بانتظار مدفع الإفطار، ونغرف للجيران حتى لا نؤذيهم بقتار قدورنا ويغرفون لنا فيكون خير على خير، وكانت مائدتنا اليوم عامرة بالنسبة لوضعنا حيث كنا نتوقع أن لا نجد ما نأكله فإذا بالمائدة وقد حوت ما يسد الرمق ويذهب ألم الجوع، فالحمد لله رب العالمين.
في هذا المعتقل (معتقل أمن الدولة) الذي هو قبو أرضي في بناء كان مخصصًا لمدرسة، كان هناك حوالي ثماني زنازين فيها حوالي ثلاثين معتقلًا، وسنحت فرصة في المساء حينما سمح لنا بالخروج إلى الدورة واحدًا بعد واحد، وبمساعدة من الأخوة كلمت بعض من أعرفهم في الزنزانة المجاورة وخاصة"أبو بلال"وعلمت شيئًا عن سبب اعتقالي قال لي أبو بلال بالحرف الواحد: أنا حكيت عليك تحت التعذيب .. دبّر حالك.
قلت: كيف أدبر حالي يا أبا بلال؟
قال: لا أعرف.
قلت: ماذا قلت عني؟
قال: قلت سمعت أحد الأشخاص يقول عنك: ماشي حالو.
قلت: يعني؟ ماذا تعني بماشي حالو؟
قال: متعاطف أو شيء من هذا القبيل.
قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.