فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 711

أسرعت إلى طاولة العمل، وبينما أنا أمسك بالقلم لأخط بعض الكلمات، اقترب مني زميل وأشار إلى ثلاثة أشخاص جالسين قريبًا وقال هامسًا: إنهم ينتظرونك. وبدت الوجوه غريبة علي وقام أحدهم فسلم وسألني: أنت فلان؟

قلت: نعم ..

قال: نريدك لخمس دقائق في الدائرة .. ودار سؤال في ذهني قلت: أهلًا وسهلًا، كتبت شيئًا، وناولته للرجل وكان آخر عمل، وخرجنا من المكان فإذا سيارة في طريق جانبي فيها رجال مسلحون. ركبنا السيارة وسارت بنا كانت كل خطوة تبعدني عن أهلي وعن حياتي وأولادي وعملي لأعيش حياة كلها عذاب وقهر وموت، ولأشهد الظلم ليلًا حالك السواد يلف بلادنا الحبيبة، ويطيح بحياة الألوف من أبناء هذا الشعب ليلقيهم جثثًا هامدة مشنوقة بحبال رفيعة على خشبات رهيبة، وتلقيهم في حفر ضخمة في صحراء (تدمر) ويهيل عليهم البلدوزر التراب، وليترك آخرون أشباه بشر يعيشون حياة هي إلى الموت أقرب، ولولا إيمانهم ولولا صبرهم لماتوا قهرًا، فالموت أهون بكثير من حياة يوم واحد في (تدمر) الظلم، حتى ليقسم الإنسان البسيط قائلًا: والله لولا أن قتل النفس حرام لما ذقت طعامًا حتى أموت.

كان في الدورية شاب نحيف أسمر تبدو عليه علامات الإشفاق والضيق، وبعد وقفة قصيرة في أحد فروع المخابرات انطلقت بنا السيارة إلى مركز مخابرات المحافظة. كانت السيارة قوية سريعة، وأنا جالس في المقعد الخلفي وبجانبي عنصر مسلح وفي الأمام آخر والسائق. تشجعت وسألت: ما هي القضية التي تريدونني فيها؟

قال الأسمر: لا بسيطة ..

قلت: أرجو أن يكون ذلك سريعًا.

قال الأسمر: لا تستعجل ..

حرت ماذا أقول.

معتقل أمن الدولة بإدلب

وفي بناء طويل ضخم كأنه مدرسة دخلنا من باب جانبي وسرنا في ممر طويل وأنا لا أكاد أشعر بشيء، وقد أنست إلى الأسمر ولكنه كان يبدو يائسًا .. نزلنا درجًا إلى قبو البناء وسلمني هناك إلى رجل في يده رزمة مفاتيح وأوصاه بي قائلًا: دير بالك عليه. ومضى ..

وقادني السجان إلى باب أفضى إلى ممر متعرج على جانبيه أبواب، فتح أحدها وأدخلني وقال: خذوا هذا لعندكم .. وأغلق الباب ومضى .. قلت لنفسي: هذا أول الغيث .. زنزانة مظلمة وأبواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت