مالي ولهذا الأمر لا أريد طبعًا أن أجرب. أمامي اليوم عمل كثير. العمل والإنتاج هما الأساس ولأن تكون عاملًا منتجًا فعالًا خير من أن تكون (سياسيًا) متحذلقًا ترائي الحكام، ولا تعمل ولا تنتج إلا قليلًا. مررت بالسوق واشتريت بعض المواد ووضعتها في حقيبة الخضار، لا بأس أن ترسل هذه الأشياء إلى البيت ليفرح العيال بإفطار رمضاني شهي. أمر هام ومهمة جليلة أن تربي أطفالًا وتخرج للحياة وللوطن شبابًا وأعين ورجالًا منتجين، وعلى خلق حسن أمناء في الفكر والعمل، مررت بالبقال المواجه للدائرة فقد كان من العادة أن أمر به كل صباح لأشرب معه كأسًا من الشاي، وهو يلقي بنكاته الساخرة ويضحك بمرارة، ويقسم أن بطن الأرض أصبح خيرًا من ظهرها، لم أجده اليوم على خلاف العادة. وضعت حقيبة الأغراض أمام الدكان أمام بصر ابنه الصغير، نظرت إلى باب المحل المجاور .. كان خاليًا تمامًا، أنا لا أحب تضييع الوقت في الأسواق، ولكني أجد هنا في الغالب أبا محمد موظف الزراعة وأمين أستاذ التاريخ الذي لا يجد عملًا وعبد الله صاحب محل النوفوتيه، فقد اعتادوا أن يشربوا كأس شاي سريعة قبل الانطلاق إلى العمل، وكنت أمر بهم في بعض الأحيان لأسمع أخبارهم الجديدة، عن المظاهرات والتمشيط والمحاكم الميدانية وغيرها، فقد كانوا ينفذون إلى دقائق الأمور وهم يحللون كل قضية، غريب أمر هذا اليوم.
تحدثت البارحة مع صديق لي معلم في إحدى المدارس قال: أنا خائف من الاعتقال فهؤلاء الحكام طائفيون وأنذال. قلت: ولم تعتقل وأنت بريء لم تفعل شيئًا يخالف القانون؟ ..
قال: هؤلاء لا يعرفون شيئًا اسمه قانون، ولا يهمهم ما إذا كنت عملت شيئًا مخالفًا أم لم أعمل .. إنهم يضربون في الناس يمينًا وشمالًا، حتى الحزبيون ليسوا في أمان .. بلادنا في محنة، تسلطت عليها هذه الفئة غدرًا وقهرًا، يأخذون الإنسان هكذا بالشبهة وإلى أن يتحققوا من براءته، يفقد نصف حياته أو كلها ..
الاعتقال
وصلت إلى مكان عملي متأخرًا بعض الشيء، وجدت على الباب جمعًا من الناس كالعادة بل وأكثر، إنهم لا ينتظرونني بل ينتظرون الموظف الكبير وكاتبه الأمير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقام أحدهم إلي، فظننت أنه يريد مجرد استفسار مني، ولكن تبين لي أن عمله عندي وشعرت بالحرج والخجل، أتركت إنسانًا ذا عمل ينتظرك؟ أيسامحك ربك؟ أسرع فاقض له حاجته وكفاك تعطيلًا له.