فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 711

الإنساني يتحرك فيهم، فيبادروا إلى فعل حاسم يجتث هذا السرطان من جسم أمة العرب، لينقذوا العرب والمسلمين من خبائثه وجرائمه ..

وقد توخينا تقديم هذه الذكريات بهذا الأسلوب العفوي البعيد عن التزويق والتشذيب، لأننا رأيناه ينبثق من أعماق القلب، ليقع في قلب من يصل إليه، وإن كان ما يحزننا أننا حذفنا بعض مناجياته على الرغم من عفويتها ورقتها ونعومتها وتأثيرها لاعتبارات لا مجال لذكرها الآن.

ولعل قارئ هذه الذكريات المحزنة المؤلمة، الذكريات التي تجعل نفس قارئها تطفح بالرعب .. لعله يلاحظ معنا عددًا كبيرًا من المعاني الإسلامية والإنسانية والتنظيمية نذكر منها:

1 -إن الأمل لم يفارق هؤلاء الأحبة حتى وهم يعانون أقسى أنواع التعذيب، ويعيشون أحلك اللحظات، فقد كان الأمل لديهم ينبثق من بين أسداف الظلم والظلام، وإذا هم شاكرون حامدون، وصابرون محتسبون، يملأ الإيمان قلوبهم، وينير أبصارهم وبصائرهم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير .. إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له ..

كان لجوؤهم إلى الله الملجيء المنجي، هو الذي يجعلهم في هذا الصفاء العجيب .. يسحقون وتسحق معهم أجسامهم وإنسانيتهم، وهم في حالة عروج روحاني عجيب، تصحب حالة السحق والطحن.

2 -وقد نتج عن ذلك ثبات الفتية الشباب كثبات قاسيون، ورجولة بزت رجولة الفحول، إلى جانب التقوى الحقيقية والإيثار الذي علّم الكبار .. إنهم فتية آمنوا بربهم، وارتضوا أن يكونوا جيلًا استشهاديًا فريدًا .. وأنا أذكر الفتية الأشبال، لأن الشيوخ لا تستغرب منهم هذه المواقف التي تمليها عليهم تجاربهم الطويلة وثقافتهم الشرعية، وعبادتهم الخالصة لوجه الله على مدى السنين.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لنبين الفوارق الكبيرة بين هؤلاء الفتية المؤمنين، وبين أترابهم وزملائهم، أولئك الذين ما يزالون تائهين في دروب المراهقة، يلاحقون الفتيات ويمضون أعمارهم، في الخزعبلات والترهات ..

كنا ذات يوم في السجن المركزي الكبير في حلب ... كان في مهجعنا رقم (1) حوالي خمسين أخًا معتقلًا، وكان من بينهم فتى مهذب، وكلهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت