فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 711

كل الفتيان كانوا مهذبين، اسمه فهد تاج الدين من حلب .. شاب في عمر الورود، لم يتجاوز ربيعه السادس عشر، تقي نقي ذكي، لمحني أقف على (البلاط) أرض المهجع، أكلم أحد السجانين، وإذا هو (فهد) يسرع بجلب بطانيته ليمدها تحت قدمي كيلا أتأثر بالبرد في الدقائق التي أحدث فيها ذلك السجان ..

أعجب السجان أيما إعجاب بفعل الفتى فهد تاج الدين وقال: اطمئن يا أستاذ، المستقبل لكم، وسوف تحكمون العالم، ما دام عندكم أمثال هؤلاء الشباب ..

وكانت هذه الحادثة أحد الأسباب في هداية ذلك السجان ... أذكر أن الشهيد وليد حماد -رحمه الله تعالى- دخل السجن وهو بريء لا علاقة له بالجماعة .. اعتقل لقرابته من الأخ الحبيب النقيب إبراهيم اليوسف -تغمده الله، وسائر إخواننا الشهداء بفيض رحمته ورضوانه- .. وقد ثبت لدى المحققين والجلادين هذا عن وليد.

وكان يوم حاول أحد السجانين الاعتداء على أحد الأخوة المعتقلين في السجن المركزي بحلب، فضج الإخوان، وكانت أيامنا أيام عز، وقد كان إخواننا المجاهدون يصلون أسدًا وأزلامه نيرانًا حامية.

فما كان من عناصر المخابرات إلا أن يشتطوا على إخواننا، فتصدى لهم وليد، فأخرجوه من المهجع ليعذبوه، فهاجمهم وليد -وكان قويّ البنية، مفتول العضلات- وتمكن من صرع ثمانية سجانين .. واستنفرت أجهزة المخابرات، وهاجمت السجن عدة سيارات محملة بالعناصر، واستاقوا الأخ البطل وليدًا إلى فرع المخابرات العسكرية بحلب ..

وفي فرع المخابرات العسكرية هذا قال له رئيسها آنذاك، العقيد عدنان رام حمداني: يا وليد .. ألم تقل لنا: أنك لا علاقة لك بالإخوان؟

فأجابه وليد بحزم: صحيح قلت لكم هذا، ولكني أدعوك إلى الذهاب إلى السجن، والعيش مع الإخوان مدة أسبوع فقط، وسوف ترى نفسك أنك صرت (خلق) أي صرت إنسانًا مسلمًا مهذبًا لا كما أنت الآن.

وابتلعها العقيد وخرس، ثم أعاده إلى السجن المركزي وقد حقق انتصارًا على السجانين، وانتصارًا على رئيس المخابرات العسكرية بحلب، وانتصارًا على نفسه وانتصارًا لإخوانه على الظالمين، إذ حفظ لهم هيبتهم وكرامتهم ..

وكان من نتيجة ذلك، أن أخلوا سبيل وليد وأفرجوا عنه، قبل أن يتأثر بشباب الإخوان وبفكرهم ... ولكنه خيّب ظنهم، فقد خرج من السجن إلى العمل المسلح، ولقد شاهدته بعد خروجه وخروجي من السجن، وإذا هو شاب مرهق، وقد خفّ وزنه وشحب لونه، وعندما سألته أمام الأخ النقيب عن سبب هذا الضعف وهذا الشحوب أجابني النقيب: انظر إلى كفيه .. إنه يقاتل في الليل، ويبني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت