أنه حزب لم يخف صراعاته وخلافاته وتراجع الكثير من رفاقه على قاعدة تبني مناهج جديدة في التفكير والعمل السياسي وليس على قاعدة الطلاق مع السياسة فقط، كما لعب دورًا في إظهار هذا الوضع التركيز الدائم عليه في إطار تاريخية الصراع السياسي في سورية وأخلاقياته بما في ذلك بالطبع الألعاب الناتجة عن الإعلام والعلاقات العامة، وقد كان ذلك واضحًا قبل السجن وأثناءه وبعده، ولا يحتاج من قبل المتابع إلى جهد كبير للامساك به. ولا أقول تشكيكًا أو دفاعًا آليًا عصبويًا، وإنما لأنني أزعم أنه واقع الحال.
هل تحدثنا عن بعض اللحظات الإنسانية التي تتذكرها في المعتقل ولا تغيب عن ذاكرتك؟
إن المأساة الإنسانية التي عايشتها سورية داخل وخارج المعتقل الصغير والكبير لم تطرح بعد بكامل حجمها وعمقها المأساوي، ومن المستحيل طرحها في سياق هكذا مقابلة، لذلك سأختار مشهدين"بسيطين"وأترك للقارىء استكناه ما يقولان بالعمق:
1 -جمعني السجن مع شاب (لا داعي لذكر اسمه فالمهم المشهد) جيء به من جحيم تدمر (فتدمر ليست سجنًا) فاقدًا القدرة على المشي (وفي العادة كان يؤتى ببعض المرضى المزمنين أو العضال أو العجزة إلى سجن صيدنايا من أجل العلاج ولزمن ما قد يمتد شهورًا أو سنوات) . لقد تحسن السجين المذكور بالتدريج وأصبح قادرًا على المشي الطبيعي، وقد تحول لذلك نحو الأحسن على كل الأصعدة وبخاصة نفسيًا بالقياس إلى ما كان عليه، وذات ليلة نودي عليه وعلى أمثاله للعودة إلى جحيم تدمر، فانهار كليًا إلى درجة عجز فيها عن السير وراح يزحف على يديه ورجليه ومقعده نحو باب الخروج.
2 -في السنتين الأخيرتين نقل سجناء تدمر إلى صيدنايا على دفعات وقد جرت الحادثة التالية مع دفعة منهم: لقد دخلت إلى ما يسمى ساحة الاستقبال وهي الساحة التي يقوم فيها الجلادون بما يسمى التشريفة، وهو وصف مفارق ومهين إلى حد القرف، لأن المقصود بالتشريفة هو تعريض القادم الجديد لنوبة تعذيب جسدي ونفسي كفيلة بإخضاعه التام من خلال قتل روحه بالرعب والإهانة، أقول دخلت الدفعة المذكورة هذه الساحة ولأن التشريفة كانت قد خّفت أو ألغيت فقد طلب إلى القادمين رفع رؤوسهم والنظر إلى الأمام (في سجن تدمر كان ذلك محرمًا) ثم طلب إليهم بعد قليل القعود بانتظار نقلهم إلى الهاجع، ولما كان القادمون قد تشجعوا قليلًا على ضوء ما سبق فقد تناقلوا بضع كلمات بهمس ويبدو أن الصوت قد تجاوز الهمس قليلًا وإذا