فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 711

ماذا أكسبتك تجربة الاعتقال؟

التخلص من أوهام السوبرمان، ورؤية الإنسان على حقيقته كمركب من القوة والضعف والعقل والغريزة، والطيب والسوء .. إلخ، وقد نمت لدي روح التسامح والإيمان بقدسية الإنسان الحي الماثل أمامنا واعتبار كرامته وحريته وقبل كل شيء حقه في الحياة، وحرية الضمير والرأي والتعبير هي مربط الفرس، واعتبار ذلك كله حقًا مطلقًا وغير مشروط للجميع بدون استثناء في نطاق قانون يستحق اسمه، وهو الشيء المختلف عما يسمى قوانين لدينا، وهي ليست أكثر من فرمانات سلطانية متعسفة إلى الحد الأقصى والى حد اللامعقول. على صعيد آخر توفر لي في المعتقل ما يكفي من الوقت (بعيدًا عن مشاغل الحياة والعمل والسياسة) لإعادة النظر بكل شيء والتأسيس الفكري للانطلاق من جديد على أرض أرسخ من منظوري فكريًا وسياسيًا وعمليًا. ويقع الآخر في مركز هذا التأسيس باعتبار الموقف منه محك كل مراجعة وكل إنسانية وكل قيمة، وقد استدعى ذلك التخلي عن كثير من الأفكار القديمة التي كان من الضروري تجاوزها حتى لو كان ذلك بصعوبة قلع الضرس. وآمل ألا يدفع ما قلته أحدًا إلى التخفيف بأي قدر كان من درجة الرفض التام للاعتقال السياسي، فالآثار المدمرة لذلك لايمكن الالتفاف عليها بأي شكل كان وبأية ذريعة تكن من مثل ما ذكرت قبل قليل.

هناك من يخرج من المعتقل وهو ناقم على تجربته السابقة وقد رأينا الكثير من الحالات وخصوصا معتقلي حزب العمل .. إلام تعزو ذلك؟

من الطبيعي أن يحصل ذلك، وقد أشرت قبل قليل إلى الدمار النفسي الكارثي في الاتجاه العام، وهذا ما تعلمه كل التجارب التاريخية وفي كل مكان، وليس حزب العمل الشيوعي في سورية بدعًا في ذلك وخاصة إذا تذكرنا الموت المعنوي للقوى الاجتماعية الحية في سورية طيلة ما يزيد عن ربع القرن الأخير. يمكن للسجن في حالات خاصة أن يكون له مفعول إيجابي معاكس بدرجة ما، وذلك عندما يترك السجين وراءه حركة شعبية وسياسية قوية، وعندما يكون شيئًا ذا معنى ليس مجرد حلم وعندما تكون شروط السجن مقبولة وعندما يكون زمانه غير متطاول، وعندما .. إلخ. ولما كان لا شيء يذكر من ذلك في سورية، فإن القوى جميعها وليس حزب العمل فقط قد آلت إلى ما آل إليه بهذه الدرجة أو تلك، وعلى الأقل على الصعيد السياسي، حيث لا قوة سياسية لم يدمر نفوذها السياسي بما في ذلك حلفاء النظام. لقد ظهر ذلك بوضوح في حزب العمل الشيوعي لأسباب كثيرة من بينها طبيعة الصدام الذي انخرط فيه ضد السلطة وما ترتب على ذلك من قبل النظام، ومنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت