مسن وأولاده الأربعة من ميسوري الحال من محافظة إدلب، وذات يوم جمعنا مدير السجن الرائد فيصل الغانم وسألنا عن طلباتنا. قال له الرجل المسن: تعلم يا سيدي أني جاوزت الخامسة والستين وأنا في صحة عليلة ومشرف على الموت في أي لحظة أناشدك بالسماح لي بالصلاة. أجابه الغانم: ومن يمنعك من الصلاة! استغل آخر المناسبة، وقال: يمكننا إذن أن نصلي. قال فيصل الغانم محاولًا توضيح الأمر من وجهة نظر شرعية: إن الصلاة تحتاج إلى طهارة ونقاء وأنتم تعيشون في نجاسة ودماء، كل المكان نجس: الأرض نجسة والبطانيات نجسة والماء قليل وهذا لا يليق بمقام الصلاة. وبعد مغادرة مدير السجن، قام الرجل المسن فتوضأ وشرع في الصلاة بناء على الإذن الذي حصل عليه من فيصل الغانم، لكن أحد الحراس رآه وعلّمه من خلال نافذة سطح المهجع. وفي صباح اليوم التالي نودي على من كان متلبسًا بجريمة الصلاة فخرج الرجل المسن لينال قسطًا كبيرًا من التعذيب، وعندما أعيد مسحوبًا بعد ساعتين إلى المهجع كان مغشيًا عليه والدماء تسيل من أنحاء جسمه، ثم ما لبث أن مات متأثرًا بهذه الوجبة التي لا تحتمل من التعذيب - رحمه الله.
سألت صاحبي: هل يفهم من هذه الحادثة أن الدين كان المستهدف؟
أجاب من فوره: هذا ما تأكدنا منه. إنهم كانوا يتقصدون إيذاءنا في ديننا، وكانوا يفصحون عن كراهيتهم للإسلام والمتدينين، بل وكانوا واضحين في التعبير عنها بصور شتى من التعذيب والشتم والتحقير المستمر لكل المقدسات. كان جميع حرس السجن من الذين باعوا ضمائرهم وعقولهم لإرواء غريزة التعذيب والقتل والولوغ في الإيذاء. كثير من المعتقلين مثلي لم يكن لهم علاقة بالإخوان المسلمين، لكن كان يصب فوق رؤوسنا حمم من العذاب لا طاقة للجبال بها. كان حقدهم لا حدود له، وكراهيتهم لا حدود لها وهمجيتهم لا حدود لها. إن ما نسمعه عن غوانتانامو لا يعدو أن يكون نقطة صغيرة في متاهات تحقير الإنسان وتعذيبه في سجن تدمر! هذا السجن الذي سيبقى ما حدث في جنباته وزواياه المظلمة وصمة عار لا تمحى في جبين نظام الأسد على مدار الزمان، مهما ابتعد الزمان.
صف لي حياتكم في سجن تدمر؟
قال والأسى يغطي محياه الواهن: لقد حولوا مظاهر الحياة وأنشطتها إلى ألوان شتى من التعذيب: النوم تعذيب، واليقظة تعذيب، والطعام تعذيب، والحمام تعذيب، والحلاقة تعذيب، والتعذيب تعذيب، حتى هانت الحياة على الكثير وتمنى بعض السجناء الموت من شدة التعذيب. أصبح منظر الدماء مألوفا، ومنظر الرؤوس المفتوحة مألوفًا ومنظر الذين يموتون تحت التعذيب مألوفًا. في كل يوم هناك موت في المهجع وموت في ساحات الإعدام وموت في باحات التنفس. وفي كل يوم هناك ترقب لما هو أسوأ. أما إن أردت تفصيلا فاقرأ كتاب"تدمر شاهد ومشهود"لزميل