فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 711

علينا جميعًا أكثر من 45 دقيقة. حُكمت سنتين لكنني أمضيت في سجن تدمر 11 عامًا. جرمت بتهمة إخفاء معلومات. كان لنا في الحي جار معروف بانتمائه للإخوان المسلمين من الأربعينيات، اعتقل فترات عديدة في فترة حكم البعث. وهو معروف للقاصي والداني بتوجهاته وأفكاره التي لم يكن يخفيها عن أحد. وجريمتي أنه كان يسكن في نفس الحي والشارع الذي كنت فيه ولم أبادر بكتابة التقارير عنه .. هكذا ألصق بي وبآخرين من أهل الحي جريمة إخفاء معلومات وعدم المسارعة إلى إخبار السلطات عن حركات وسكنات هذا الجار (الطيب) . بنفس التهمة وبنفس الملابسات والظروف اعتقل جار آخر، وكانت محاكمته في نفس اليوم الذي مثلت قيه أمام المحكمة المهزلة، وحكم عليه القاضي بستة أشهر. قال للقاضي: هل سيطلقون سراحي فقد مضى على اعتقالي عشرة أشهر. نظر قاضي محكمة أمن الدولة إليه بهزء واستخفاف وأمره أن ينصرف، ولم يطلق سراحه إلا معنا في عام 1991.

سألت محدثي عن المحكمة والقاضي والقانون والإدعاء والدفاع والشهود. قال مختصرًا التفاصيل المملة: لا يوجد إلا القاضي وكان يومها سليمان الخطيب، ومعه مساعد يسجل ما يمليه عليه. ملف المعتقل وهو جملة ما يرد من فرع المخابرات أو التحقيق وما يحتويه هذا الملف من اعترافات انتزعت تحت التعذيب أو أثبتها المحقق حتى دون أن يعترف بها المعتقل. أما القانون والأحكام فكانت على مزاجية القاضي. كثير من الذين لم تثبت عليهم تهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين ألصق بهم تهم أخرى، مثل إخفاء معلومات وعدم المسارعة لإخبار الأجهزة الأمنية عن أشخاص يشتبه بصلتهم بالإخوان المسلمين. وكانت الأحكام في هذه الحالة تتراوح بين البراءة والسجن لمدد مختلفة قد تصل إلى المؤبد. لكن هذه الأحكام لم تكن تعني شيئًا أكثر من التعذيب النفسي للمعتقل إذ لم يفرج عن أحد في تلك الفترة، واستمر الجميع بمن فيهم الذين حكم ببراءتهم حتى أول دفعة من الإفراجات عام 1991. حكم على الأستاذ الجامعي (س) بالمؤبد بتهمة إخفاء معلومات عن أشخاص مطلوبين للتحقيق. وقضى تحت التعذيب. كثير من الذين حكم ببراءتهم ماتوا تحت التعذيب في ساحات وزنزانات سجن تدمر.

قلت لصاحبي: حدثني عن الحريات المتاحة في سجن تدمر والحقوق التي كنتم تتمتعون بها؟

هز رأسه قائلًا: لا توجد حريات ولا حقوق، حتى حرية النظر كانت ممنوعة، وحرية التفكير أو الشرود الذهني كانت ممنوعة. كم من سجين عذب حتى وصل إلى شفير الهلاك لأنه نظر إلى أحد الحرس أو السجانين بدون قصد منه، كان مطلوب منا أن نطأطأ الرأس دائما ولا ننظر إلى الحرس والسجانين. وكم من سجين تلقى وجبة دسمة من التعذيب وسالت دماؤه لأنه عثر عليه متلبثا بشرود الذهن أو على وضعية توحي بالتفكير. حتى حرية العبادة كانت ممنوعة: كان في مهجعنا رجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت