فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 711

طوال اسابيع ظل السجانون مستغربين ارسالنا اليهم، لكنهم ارتاحوا في النهاية الى فكرة انه لو لم نكن اولاد قحبة لما نقلنا الى تدمر. وبالفعل يصعب ان يجود احد منا بشهادة تدمر ابلغ من هذه. اقترح احد السجناء ان يكون شعار سجننا الجديد شعار جحيم دانتي: ايها الداخل الى هذا المكان، تخل عن كل امل!

الغريب اني لم اصب بالرشح أو الكريب هناك قط رغم جو تدمر الصحراوي القارس شتاء، ورغم انعدام التدفئة وقلة الاغطية والالبسة، ورغم حمام الماء البارد دائما، ورغم اني كنت سهل الاصابة بأمراض البرد في ظروف احسن بكثير في سجن عدرا وقبله في سجن المسلمية في حلب. اظن ان الجسم يستنفر كل طاقاته للتكيف مع وضع طارئ صعب.

"نظام التعليم"

طوال شهر ونصف شهر لم اتعرض لأي اذى جسدي يتجاوز بضعة"كفوف"على الوجه، بينما اصاب معظم زملائي عقاب اشد، خصوصا"المعلمين"منهم. و"التعليم"هو تمييز بعض السجناء بعلامة محددة (ابو البيجاما الخضراء أو صاحب الفرشة الثالثة من اليمين مثلا) ليعاقبوا حين يفتح باب المهجع، أو غالبا صباح اليوم التالي، بعد تسلم الفطور أو عند اخراجنا الى الباحة. ويُطلب عادة من رئيس المهجع ان"يعلّم"أي عدد من السجناء يخطر على بال السجان ولأية اسباب يرتأيها. والعقاب يراوح بين بضعة"كفوف"أو عشرات منها الى"دولبة"المعلم المنكود. الاشنع من العقاب هو انخلاع قلب المعلَّم في انتظار العقاب، والشعور المقيت بدبيب ملايين ديدان الخوف في الاحشاء والعضلات. والهدف من نظام التعليم التدمري غرس المنعكسات الشرطية المناسبة، ومنع"روح"الاستقبال أو التشريفة من التقادم، أو ببساطة انعاش كسر العين. ولديّ شبهة بأن مصدر"نظام التعليم"هذا هو نفسه مصدر ديموقراطيتنا الشعبية: اوروبا الشرقية. اذ يروي كثيرون ان سوريا استوردت، منذ بداية الازمة السورية أواخر السبعينات خبراء اوروبيين شرقيين في شؤون التحقيق وانتزاع المعلومات و"تربية"السجناء.

لكن في احدى الليالي كنت"ليليًا"، أي اقوم بنوبة حراسة لزملائي النيام مدة ساعتين اكون مسؤولا فيهما عن كيفية نومهم (على جنباتهم حصرا) وعن وضع"الطماشات"على عيونهم وعدم انزياحها الى الاعلى أو الاسفل، وعن عدم وجود أي منهم في دورة المياه، وعن أي شيء يخطر على بال"حضرة الرقيب اول" (هكذا كنا نخاطب أي سجان خشية ان يكون رقيبا اول بالفعل) فوق سطح السجن (الوان فُروج امهاتنا مثلا) . من"الشرّاقة"، الشباك المفتوح دائما في سقف المهجع والتي تنزل منه اوامر التعليم عادة، لاحظ الحارس ان احذية زملائي وشحاطاتهم ليست مرتبة في زاوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت