فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 711

النصف الاول من التسعينات، فهذا يتجاوز حد تخيلنا، ويبلغ الامر في حالتي حدا وسخا لأنني أنهيت سنوات حكم محكمة امن الدولة الخمس عشرة. لكن حالتي لم تكن فريدة جدا، فقد كانت مجموعتنا المشحونة الى تدمر في عز مربعانية الشتاء تضم سجناء انهوا 14 عاما، أو اقتربوا من نهاية احكامهم التي كانت بين ثماني سنوات وخمس عشرة سنة.

وصلنا السجن ظهرا، ولاحظنا درجة من الدهشة عند ادارة السجن لوصول سجناء جدد. تجاوز كثيرون منهم عشر سنين سجنا. ثم تلقينا بروتوكول السجن بسرعة"الرؤوس منكسة دائما، الكلام همسا، الشعر والذقن والشاربان حليقة دائما. وتم اقتيادنا من الادارة الى المهجع المخصص لنا ورأس كل منا عند اسفل ظهر متقدمه وعلى عيني كل منا قميص داخلي أو بشكير. وكانت قافلتنا تتحرك بايعازات تبلغنا ان هناك درجة أو بابا، وربما صاحبت الايعاز رفسة على المؤخرة أو لكمة على الظهر."

تكسير خشب

اظن ان شعورنا في يومنا الاول لا يختلف عن شعور من وقع في بئر عميقة في منطقة مقطوعة عن العالم. اختاروا احدنا رئيسا للمهجع وابلغوه ان النوم في السابعة مساء والاستيقاظ في السابعة صباحا، وشرحوا"نظام التعليم"باختصار، وحددوا مواعيد الطعام وكيف نستقبله. وحين احيل عليـ"هم"بصفة جمعية غير محددة فليس رغبة مني في ان اشملهم بهوية اتميز عنها، بل لأنهم غارقون فعلا في غفلية لا تتمايز. فلم ار ولم ير احد من زملائي تعابير وجه احد منهم ابدا ولم ننظر قط في عيني أي منهم. ممنوع. فالعين ليست مغرفة الكلام فقط كما يقول المثل الشعبي، وانما هي قناة التراسل والتعرف والتواطؤ والتنبؤ، أي العلاقة الانسانية. مرة طلب رئيس المهجع من المساعد اول، المسؤول المباشر عنا، ان نرفع رؤوسنا حين نتحدث الى السجانين، رد البطل: وماذا فعلتم مما يرفع الرأس لترفعوا رؤوسكم؟

صباح اليوم التالي سمعت اصوات تكسير خشب آتية من بعيد. لكنها كانت تقترب بين حين وآخر. في التاسعة والنصف فتح باب مهجعنا وتم استقبالنا رسميا."الاستقبال"أو"التشريفة"حفلة"فلقة"من 100"كابل"في"الدولاب"لكل واحد منا (قد"يأكل"الاسلاميون 500 كابل) ونحن عراة الا من الكلاسين. والهدف منها"كسر العين".

استغرق تكسير خشبنا نحن الـ11 نحو ساعة (قسمنا 22 شيوعيا موزعين على مهجعين، وفصل عنا 8 من البعثيين العراقيين اخذوا الى مهجع مستقل) . وحين كان بعض عناصر السجن"يدولبوننا"تولى آخرون منهم تفتيش اغراضنا. سمح لنا بالالبسة الشخصية فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت