فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 711

كانت قبلها فنون القسوة في التعذيب، كان قطع الزيارات بلا سبب، كان رفض التعامل معنا كسياسيين وكمجموعات، كانت محكمة امن الدولة، ... فلماذا لا تكون تدمر ممكنة بعد 15 عاما؟

كان شعوري يعرف احسن من عقلي، وكان يعبّر عن نفسه بنوع من القلق الكتيم الثقيل. وفي تلك الفترة فقط، وحتى قبل الشحن الى تدمر، عرفت معنى الزلزلة الجذرية للأمن وخبرت تقصّف الركب، وامام اللجنة عرفت ما معنى نشفان الريق. لكن قد لا يكون السبب الخوف من اللجنة نفسها لأني بالفعل لم اكن خائفا، بل الخوف اني عدت من جديد ريشة في مهب الريح بعدما ظننت انني اقتربت من المرسى. في ذاكرتي تمثل الاسابيع الثلاثة بين"مساومة"اللجنة في 10/ 12/1995 وموعد نقلنا الى سجن تدمر فترة الافتقار العميق للأمن وعودة كل توقعاتي وخططي للاهتزاز. ورغم اني طمأنت زملائي بأن تدمر مجرد تهديد فان عقلي الباطن لم يطمئن. في تلك الاسابيع الثلاثة كتبت 40 صفحة متوترة عن الحرية والامن، لكن السجانين لم يسمحوا لي بأخذ دفتري حين افرج عني بعد قرابة عام، وكنت في وضع الناجي المستعد لخلع قميصه ليملص من المأزق.

زيارة في الفجر

اطبقت المجلد الاول من كتاب محمد عابد الجابري عن فلسفة العلوم عند الصفحة 120 في الساعة الرابعة والنصف صباحا من فجر يوم 3/ 1/.1996 تقلبت في فراشي مثل دجاجة تشوى طوال ساعة تقريبا. كنت نهبا للقلق والرعب. كنت قلقا من هذه القسوة التي لا حدود لها التي يمكن ان تسحقني مثل قملة. قلقا من استحالة توقع المصير. قلقا من اني عدت الى نقطة الصفر في الشهر الأخير من عام،1980 عدت موقوفا"عرفيا"أو"احترازيا"ولا تزال صفحات الدفتر الجديد بيضاء كلها.

حوالى الخامسة والنصف صباحا سمعت صوت مفتاح في قفل المهجع الاول من جناح السياسيين في سجن دمشق المركزي المعروف بسجن عدرا. اختلجت امعائي بقوة حيال كسر العادة الاستثنائي هذا (تفتح ابواب المهاجع عادة في الثامنة صباحا) فُتحت الابواب كلها، وطُلب منا ان نضب اغراضنا الشخصية. الى اين؟ منذ البداية تسرب الينا اننا منقولون الى سجن تدمر، لكن كان للرجاء والتوهم رواياتهما: ذاهبون الى فرع الامن من اجل مساومة جديدة، ذاهبون الى سجن صيدنايا حيث سيتم جمع كل السجناء في البلد قبل الإفراج ...

في"العادة"يؤخذ سجناء الرأي من امثالنا الى تدمر اما بعيد اعتقالهم واما عقابا لهم على مشكلة تسببوا بها في سجنهم الاصلي: اضراب عن الطعام مثلا (اما الاسلاميون فسجن تدمر هو"مكانهم الطبيعي") . اما بعد سنوات طويلة من الحبس، وبعد الاحالة على محكمة امن الدولة، وعند نهاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت