قلت للعميد الذي طرح العرض: اني صاحب حق الآن. فقد اعتقلتموني اكثر من 11 عاما من دون تهمة، ثم قدمتموني الى محكمة استثنائية غير علنية لا دفاع فيها ولا شهود، ثم من دون ان يجبركم احد حكمتم عليّ بالسجن 15 عاما. انا صاحب حق الآن.
بالحرف الواحد قال الرجل الذي سيشغل منصبا وزاريا في حكومة ميرو الاولى: ما الك حق عندنا!
وبعد ثلاثة اسابيع، في بداية عام 1996 نُقلنا ثلاثين سجينا، الى سجن تدمر الرهيب الذي يستحق سمعته الشنيعة واكثر. وكان"أعدل"ما في الامر ان بيننا اناسا وافقوا على شروط"المساومة"كلها الى درجة انهم وعدوا بأنهم سيبيتون ليلة الغد في بيوتهم. لكن الغد لم يأتِ بالنسبة للبعض منهم الا بعد خمس سنوات تدمريات ونصف سنة. ولم يفرج عن شخص واحد عند انتهاء المدة التي وجدتها"محكمة امن الدولة العليا"عادلة. وحين كان يفرج عنا بعد الحاق هزيمة حزيرانية كاسحة بنا في سجن تدمر كانت تجري"مفاوضات"مساومة جديدة ليقطف المنتصرون ثمار نصرهم المؤزر. اذ يجب الا يخرج احد من السجن فرحا طليقا!
لا اعرف أي حدس ومض في ذهن صنع الله ابرهيم حين كتب روايته الصغيرة"اللجنة". لكن ليس حدثا روائيا ولا مفاجأة درامية ان انتهت لجنته الى اجبار بطل الرواية على ان يأكل نفسه، لا، هذا الامر هو جزء من تعريف اللجنة بالذات. فاللجنة لا تكون لجنة الا لأنها تملك هذا السلطان: كلوا انفسكم!
هناك دائما ما هو اسوأ!
لطالما تملكني خلال الايام التالية لموعد الإفراج المفترض عني شعور غامر بالقلق، ولم احتج الى كثير من الجهد لأعرف ان هذا القلق مصنوع من الخوف المحض. كانت اللجنة قد توعدت بارسالي الى تدمر ان لم"اوقع"عقدا بأكل نفسي، لكن رأسي بقي"يابسا". وليس في هذا اليباس أي بطولة، فبكل بساطة لم اصدق التهديد. وكان لديّ من الاسباب"العقلانية": ما يجعل عدم تصديقي معقولا. غير ان اسبابي العقلانية لا تدل الا على عدم استيعابي للعقلانية"غير المتوازية"للسلطة المطلقة والاعتباطية، اعني قدرتها دائما على اختراق سقف العقل، على مفاجأتك بما لا يخطر لك ببال، نفورها من أي قاعدة مطردة أو قانون مستقر يتيح لضحاياها درجة من التوقع الرشيد والتكيف المعقول. وطوال خمسة عشر عاما كان"القانون"الوحيد ان هناك دائما ما هو اسوأ من اسوأ مخاوفنا: في السجن العرفي الذي سيدوم سنوات تراوح بين أي مدة واحد عشر عاما ونصف عام، كانت المساومات المتطرفة المبنية على فلسفة كل شيء لـ"الدولة"مقابل لا شيء للسجين.