عبور مستنقعنا
لكني باستعادة تدمري الخاصة هنا احتفل بذكرى مذبحة 26 حزيران 1980 بطريقة ربما تتسع لمشاركة آخرين، واحاول التدرب على الانفصال عن تجربة ما انفكت ممسكة بتلابيبي. اريد ان اتركها في الماضي لأنال استقلالي عنها أو لأتحرر منها. لأستطيع ان اتذكر وانسى باختياري. فاذا كنت لا استطيع النسيان الآن فلأن الماضي لم يمض ولأني لا ازال موضوعا للتجربة وليست هي موضوعي. ولذلك ايضا لا استطيع ان اتذكر بحرية ماضيا لم ينفصل عني. ولعل كثيرين مثلي حاولوا ويحاولون السيطرة على شوك تجربتهم، ولعله لم تتح لمعظمهم فرص اتيحت لي لمقاومة الاستسلام. انا اعرف ان كثيرين استسلموا، تركوا انفسهم لاختلاط نسيان مشوش أو لتثبت الذاكرة على عذاب الماضي ومهانته، ترك بعضهم جرح روحه يندمل من دون ان ينظفه ويطهره، ويرعى بعضهم جرحه كأعز ما يملك، يتركه ينزف كي يدخر شراسة طازجة لمستقبل ينتقم فيه. لكن الاستسلام بشكليه، ليس خطيرا عليهم وحدهم، ولن اقول انه خطير على هذه البلاد الحزينة والمجهولة، انه خطير على أي فرص محتملة لنا لأن نتصالح مع انفسنا ونستحق حريتنا، كل واحد منا وحريتنا جميعا. الآن اضحى فك قيد الحكاية عنصرا اساسيا من أي تجربة ممكنة للتحرر من قيودنا. هذا المستنقع مستنقعنا نحن، لا نستطيع التحليق فوقه ولا توكيل غيرنا باقتحامه بدلا منا، لكن يمكن ان نعبره بحرص أو بطيش. الخيار لنا.
اللجنة
في الشهر الأخير من عام 1995 كنت قد انهيت 15 عاما من الحبس قضت بها عليّ"محكمة امن الدولة العليا"في دمشق، وهي المحكمة التي احلت عليها بين 600 آخرين في ربيع عام 1992 أي بعد قرابة 11 عاما ونصف عام من اعتقالي أو"توقيفي الاحترازي" (شيء شبيه بمذهب"الضربات الاستباقية"، اصاب عشرات الالوف بين أواخر السبعينات واوائل التسعينات") . وبدلا من ان يُطلق سراحي عُرضتُ على"لجنة امنية"من النوع الذي سبق لي ان خبرته اكثر من مرة. الشيء الذي تفعله اللجنة اسمه"مساومة"أي صفقة"يتعاون"السجين فيها مع اجهزة الامن (يقول اعضاء اللجنة، وهم ضباط كبار في اجهزة الامن، إن التعاون تعبير عن"حسن نية"السجين ازاء ... الدولة!) فيشي بأصدقائه ورفاقه أو"يكتب التقارير"عنهم، أو على الاقل يتعهد عدم"العمل بالسياسة"، مقابل الإفراج عنه، والا يبقى في السجن الى ما شاء الله (ليس هناك أي زلل في اعتبار"المساومة"تدريبا على الخيانة) ."