فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 711

تروي هذه الأسطر تجربة مثقف سوري أمضى في السجن 15 عاما يروي فيها وقائع حياته اليومية في سجن تدمر ويدعو إلى تحويله نصبًا يكرّم عذابات ضحاياه، ويسمّيه نصب التوبة.

دمشق ...

لعلي لا اختلف عن سوريين كثيرين في النفور من أي تذكّر تفصيلي لوقائع من"سنوات الموت"، مثل مذبحة تدمر،1980 أو تاريخ سجن تدمر كله بين أواخر السبعينات حتى إغلاقه عام،2001 أو مأساة حماة،1982 أو حتى المحطات الرئيسية في تاريخ حبسي الشخصي. لا يختلف هذا النفور عن موقف من يغيّر دربه كي يتجنب رؤية جثة مشنوق تتدلى في مكان عام. وبعد كل هذه السنوات، مَن لا يريد اليوم ان يوفر على نفسه رؤية جثة القتيل المشوهة، المنفسخة!؟ لكننا أهل الميت، والجثة جثتنا ولا مفر من تعرفنا عليها وغسلها وإكرامها بالدفن. التذكر صعب حقا، لكن النسيان مستحيل.

في كل عام حين يقترب الشهر الأخير وتقترب ذكرى اعتقالي وذكرى الإفراج عني، يلحّ علي من جديد الشعور بضرورة ان اكتب حكايتي، اكتبها لا لأرث ارض الكلام واملك المعنى كما زعم محمود درويش، ولكن لأكف عن الهرب وأتخفف من عبء الحكاية. لكن كل عام، وقد قاربت سبعة يتكرر الهرب وتتأجل المواجهة من جديد.

وتمر السنوات وأشعر أكثر واكثر انني اخون نفسي وأخون أصدقائي الذين ماتوا في السجن أو بعيد خروجهم منه، وأخون الامهات والآباء الذين ماتوا في الانتظار أو ربما اترك جثثهم في العراء. ولم يساعد احد السجين ان ينسى، وبخاصة لم تقدم السلطات الرسمية في البلاد أي مساعدة على النسيان للألوف ممن اكتووا بنار المحنة التي دامت طويلا طويلا. بل كأنها وهي تتحدث عن"الاستقرار والاستمرار"تريد ابقاء ذاكرة الخوف حية في النفوس. أو لعلها تريد لنا من الذاكرة ما يكفي لأن نبقى خائفين ومن النسيان ما يكفي لعدم مطالبتها بشيء. والا فتهمة الثأرية ونزعة الانتقام جاهزة. وامر هذا الاتهام عجيب بالفعل في درجة انعدام الامانة والاستقامة فيه. فكأن المظالم رُدّت لأهلها، وكأن الحقوق عادت لأصحابها، وكأن كلمة واحدة قيلت لتطييب خواطر الضحايا، وكأن احدا اعتذر من"المذلين المهانين"، وكأن السجون فُرّغت من سكانها، وكأن منفيا واحدا عاد بكامل حريته، وكأن محكمة امن الدولة الغيت، والاعتقالات السياسية باتت شيئا من الماضي .... كأن ذلك كله تحقق لكن الضحايا السابقين مصرون على ركب رؤوسهم ولا يرضون بأقل من ان يسجنوا من سجنهم وينفوا من منفاهم ... ويستبدوا .. ويتحكموا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت