محددة من المهجع. وهكذا عثر لي على ما يسليني لبعض الوقت في"ليليتي"المملة: نقل الاحذية والشحاطات بفمي الى احد اركان المهجع.
مر علينا صيف 1996 فظيعا من شدة الخوف وغزارة التعليم وسوريالية افانين الترويع. في احد ايام ذلك الصيف، وبينما كنا جالسين منكّسي الرؤوس وايدينا خلف ظهورنا تحت شمس آب الحارقة في حوش المهجع امر السجان بأن يضع كل منا"شرفه"في فمه. كززنا على فردات احذيتنا بأسناننا وابقينا ايدينا خلف ظهورنا المحدودبة. وكان حضرة الرقيب اول متسامحا حين تبين له ان الشخص الستيني الذي كان يسند شرفه بيده انما كان يؤازر طقم اسنانه في الإطباق على فردة الحذاء.
في ذلك الصيف عرفت الخوف كشعور جسدي محسوس، لا كقلق. كنت اعرف انه الخوف، ذلك الشعور الذي لا يوصف ولا يطاق، شعور الوهن والتآكل الذي احس به يدب في خاصرتي وفي عضلات عضدي، كدت افقد وعيي مرة من الخوف وانا ليليّ لو لم اوقظ رئيس المهجع ليتولى دقائق قليلة باقية من مناوبتي.
التوبة!
لم اكن انوي الدخول في اية تفاصيل، لكن شيطان التفاصيل يدخل نفسه في كل شيء.
افرج عني أواخر عام 1996 بعدما اكملت قرابة عام في السجن الفظيع. وحين تخرجت من الجامعة عام 2000 التقيت فيها بزميلين سابقين لي كان قد افرج عنهما قبل اسابيع فقط. امضى احدهما 19 عاما في سجن تدمر والآخر 18 عاما. ومع ذلك كانا يبدوان شخصين طبيعيين وبصحة جيدة، وأحدهما هو الذي تذكر اننا عملنا معا في مخبر الكيمياء في سنتنا الجامعية الاولى. ينبغي ان يكون هذا مذهلا: فسنة تدمرية واحدة في الثمانينات تعادل سنوات في التسعينات، وبتدويني هذه الشهادة اجازف ان اكون"نقاقا"قياسا الى ما شهده الوف قبلي. ولا شك ان الفضل في سلامة زميليّ الدراسة يعود الى الايمان. فلحسن الحظ لا احد يستطيع منع السجين من اللجوء الى ربه وإسلام روحه وقلبه له حتى لو كانت الصلاة والصيام ممنوعين اطلاقا في تلك البقعة"المحررة"من الغيبيات والعقائد الدينية. ولعله الايمان ايضا ما كان يدفع كثيرين الى التطوع لتلقي العقاب التعليمي المربع فداء لسجناء مرضى أو مسنين.
اود في الختام ان استعيد خاطرا الح علي في باستيلنا المريعة: هذا سجن لا يجوز هدمه أو إغلاقه. لم لا نقلبه متحفا لأدوات التعذيب، ونشيد فيه نصبا يكرم عذابات ضحاياه ويعلن اننا لن ننساهم. ونسمي هذا النصب نصب التوبة، توبتنا جميعا. هذا جزء من عملية اوسع، سياسية وثقافية وقانونية