فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 711

في إحدى الليالي كنت أرتعش من البرد وأنا أصرخ من الألم فقام أحد عناصر الحراسة الذين يتواجدون على سطح المهجع"بتعليمي"، أي أنه يقول لي: علّم حالك، وفي الصباح يخرج الشخص"المعلّم"لينال عقابه المميز وإلا فإن العقاب سيكون من نصيب الجميع.

في اليوم التالي خرج بدلًا مني أحد المعتقلين من الإخوان المسلمين وكان رجلًا متوسط العمر ويعاني من الأمراض المزمنة، ومع ذلك نهض وحاول آخرون ثنيه والخروج بدلًا عنه، إلا أنه أصرّ قائلًا إنهم سيراعون سنه ويكون العقاب خفيفًا.

لم يكن العقاب أخف من المعتاد وعاد إلينا أشبه بخرقة بالية. نال الضرب بالكابل الرباعي والركل والشتم، كله بدلًا عني. عند هذه الحادثة بدأت أنظر بعين مختلفة إلى رفاق السجن وبدأت مشاعر الود تنمو بيننا يومًا بعد يوم، واكتشفت أن أكثر من طبيب يعيش بيننا وصيدلي وطبيب أسنان.

تحسنت صحتي بفضل العناية التي لقيتها من زملاء المعتقل الذين كانوا يدخرون الطعام لي وحتى الدواء الذي يتكون كما قيل لي من المضادات الحيوية لا غير.

بدأت أقترب من رفاق المهجع وبدأنا نختلس الأوقات لتبادل الأحاديث وعرفت قصص أغلبهم ومعظمهم كما قلت كانوا لا علاقة لهم بتنظيم الإخوان المسلمين وإنما بسبب تقارير أو صلات قربى أو انتماء فكري فقط .. فالذين ثبت انتماؤهم العسكري كانوا قد أُعدموا في سلسلة محاكمات استمرت عدة أعوام وعندما وصلت إلى تدمر كانت شبه منتهية اللهم إلا بعض الطوارئ.

كان برنامجنا اليومي يبدأ منذ الصباح بحفلة تعذيب تستمر إلى أن يحين موعد الإفطار فنتناول فطورنا المكون من بضع حبات من الزيتون وشاي لا لون فيه وخبز مليء بالأخشاب. وهناك حفلة تعذيب على الغداء وأخرى قبل العشاء، هذا غير الذي يقترحه علينا رقيب غضبان أو عريف مصاب بحالة عصبية.

أحد زملاء المهجع له زيارة يستطيع أن يجلب له أهله مسحوقًا من الحمص يُضاف إليه الماء فيصبح حمصًا ناعمًا نأكله كوجبة نادرة نظرًا لنوعية الطعام التي تُقدم لنا كالبطاطا المسلوقة أو شوربة حمراء وبرغل مليء بالحصى أو رز خالٍ من الدسم.

ذات يوم كان المعتقلون يتحدثون عن رقيب ديري هو الوحيد الذي لا ينتمي للطائفة العلوية، فكل السجانين والحراس والضباط وصف الضباط في تدمر هم من الطائفة العلوية. كان هذا الرقيب ويدعى جاسم يبالغ في تعذيبه للمعتقلين، وصيته وصل إلى كل المهاجع.

سمعت عنه ولم أره، وكم فوجئت وفوجئ حتى كاد أن يقع من طوله عندما رآني. لقد كان أحد الرفاق الشبيبيين الذين كنت أجتمع بهم. تدارك الأمر وصفعني على وجهي طرحني أرضًا وهمس في أذني ما الذي أتى بك إلى هنا؟ ودار حديث بيننا وهو يعذبني لكي لا يلفت نظر أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت