فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 711

كان يركلني ويسألني ماذا تريد؟ ويطرحني أرضًا ويعتذر مني قائلًا إنه مضطر لذلك.

لم أستوعب هذا الموقف إلا بعد أن أخبرني بعض رفاق المهجع ممن سبقوني بأن رقيبًا في السابق شوهد يتحدث مع أحد المعتقلين بشكل ودي فجرى إعدامه وأصبح اسمه وقصته مصدر خوف لأي عنصر أو سجان أو رقيب في سجن تدمر.

مضت الأيام والسنوات على هذا الروتين واستطعت أن أحفظ القرآن خلال عامين، إذ كان المعتقلون قد ابتكروا طريقة للكتابة تتكون من أكياس نايلون يضعونها بطريقة معينة فوق بعضها ويستخدمون بعض دهون الطعام للصقها ثم الكتابة عليها وعندما تتعرض لمصدر نور يستطيع المرء قراءتها بسهولة وبهذه الطريقة حفظت القرآن إضافة لمساعدة الحافظين من جماعة الإخوان المسلمين.

كان حفظ القرآن مغامرة كبرى إذ قد تودي بالحافظ والمحفظ إلى المنفردة التي تعني جنونًا حقيقيًا. أما تدريس فكر الإخوان في المهجع فيعني حكمًا مباشرًا بالإعدام ينفذه أصغر رقيب وبقرار شخصي منه.

ذات مرة آلمني ضرسي فكشف علي أحد زملائنا المعتقلين وكان طبيب أسنان وقال لي لا بد من قلعه. وأخرج من تحت فراشه أداة خشبية وثبتها بطريقة محترفة وقلع الضرس بسهولة لم أتوقعها.

وفي أحد الأيام أصيب زميل لنا بآلام شديدة في الخاصرة ولم يستجب له السجانون، وقد أكد أحد زملائنا الأطباء بأنه يحتاج إلى عملية زائدة دودية فورًا وإلا انفجرت ومات.

وبدأ إعداد غرفة العمليات في المهجع.

كان زملاؤنا الأطباء قد ادخروا بعض الخيطان والأبر وصنعوا مشرطًا من ليرة سورية قاموا بحفها.

وبدأت عملية الزائدة الدودية دون مخدر أو أدوات، وكان مطلوبًا من البعض مراقبة الجو والبعض الآخر مساعدة المريض على عدم الصراخ بوضع كتلة من اللباس على فمه.

وجرت العملية بيسر وتم استئصال الزائدة الدودية التي تبين أنها كانت على وشك الانفجار. وتمت خياطة جرح المريض وأعطي لعدة أيام مضادات حيوية مدخرة وعاش وخرج من السجن .. فسبحان الذي بيده تقدير الأعمار.

هذا عن وضعي البائس. أما وضع أهلي فلم يكن أفضل من ذلك. ففي الفترة الأولى من اعتقالي طافوا على جميع معارفهم من المتنفذين ولم يستطيعوا أن يعثروا على خبر عني ولا أي شيء عن تهمتي. وقد ربطوا بين اختفاء ابن عمي الضابط وبين اعتقالي وشكوا في أن الموضوعين على علاقة ببعضهما، فابن عمي اختفى في ثكنته العسكرية، وأحد ما أخبر أهله بأنه اعتقل، ولكن لم يعلموا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت