فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 711

بعد ذلك جرت محاكمتي أمام المحكمة العسكرية لأن في القضية طرفًا عسكريًا، وحُكم علي بالسجن عشر سنوات. وما هي إلا لحظات وكانت سيارة شرطة عسكرية تأخذني إلى معتقل تدمر، إذ علمت فيما بعد أن ابن عمي الضابط الذي اتهم هذه التهمة الباطلة مات تحت التعذيب في فرع التحقيق العسكري.

في مملكة تدمر

الآن وبعد هذه السنوات تبدو ذكريات تدمر أشبه بلحظة واحدة متشابهة، فقد اكتشفت أن ذاكرتي لعبت في المكان ومسحت أشياء كثيرة منه، وربما تناستها لأن الزمن الذي دخلت فيه المعتقل يكاد أن يكون خارج سياق حياتي ولا أستطيع أن أضمه لسني عمري.

في معتقل تدمر أنت لا شيء، وخصوصًا إذا كنت متهما ببعث العراق أو الإخوان المسلمين، فنحن دمنا مهدور، وهذا يعني أن الذي يموت منا تحت الضرب والتعذيب لا أحد يسأل عنه أو يحاسب من أجله .. بخلاف المعتقلين الشيوعيين الذين كانت لهم مهاجع خاصة مختلفة ومعاملة أقل قسوة، وطبعا بخلاف المعتقلين الجنائيين الذي كانوا يعذبوننا أيضًا ويطلق عليهم اسم البلدي.

في مهجعك أنت مكشوف مراقب من خلال فتحة في السقف طوال ليلك ونهارك وحتى الكلام ممنوع عليك.

في السنة الأولى لاعتقالي وكان نزلاء مهجعي كلهم من الإخوان المسلمين أو من يسمون كذلك، لأن الكثير منهم كما اكتشفت فيما بعد لم تكن لهم علاقة بالتنظيم لا من قريب ولا من بعيد، وساقتهم أقدارهم العاثرة بفعل تقرير كيدي أو دسيسة من أحدهم إلى هذا الجحيم.

أقول في السنة الأولى كانت علاقتي بنزلاء المهجع علاقة سيئة، لم أكن أحبهم وكنت أنظر إليهم بريبة وأتحاشى الحديث معهم إن سمحت الظروف بذلك، إلى أن مرضت مرضًا أقعدني أسبوعًا كاملًا طريح الفراش.

ارتفعت حرارتي ولم تهبط، وأُصبت بنزلات برد متوالية ولم أعد أستطيع النهوض. وقام رئيس المهجع بإبلاغ الرقيب بالأمر فحولني إلى الطبيب، الذي أشك في أنه ليس أكثر من ممرض فذهبت إليه محمولًا، فأعطاني قمعًا ورقيًا فيه حبوب بيضاء لا أعرف ما هي، ولكن المعتقلين الآخرين أكدوا أنها تعطى للجميع وطلبوا مني أخذها دون تردد.

لم تتحسن أحوالي وكان بعض العناصر المكلفين بعقابنا اليومي يطلبون إخراجي من المهجع للشروع بتعذيبي لكنني كنت لا أقوى على النهوض، وهذا لم يكن يمنع البعض منهم من ضربي وشتمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت