اقتادني عناصر الفرع إلى غرفة التحقيق"مطمشًا"وكان هناك رقيب أو مساعد بانتظاري، بعد ساعة من الانتظار وأنا واقف طلب من أحد العناصر أن ينزع الغطاء عن عيني، وألفيته يضع دستة من الأوراق أمامه. قال لي بسخرية: أرى أن سيرتك حسنة فما الذي ورطك هذه الورطة؟ قلت له أي ورطة؟ نهض من مكانه وصفعني بيده على وجهي وهو يقول: قول سيدي ولا وعامل حالك مالك دريان.
قلت: سيدي أقسم بالله العظيم أنني لا أعرف عن ماذا تتكلم؟
قال: وعم تحلف بالله وبدأ بالتجديف على الله والأنبياء والرسول.
مضت جلسة التحقيق على هذا المنوال وضربت ضربًا مبرحًا في كل أنحاء جسدي ووضعوني على الدولاب وضربوني حتى تورمت قدماي ولم أعد أستطيع المشي عليهما، وهنا أمرني"سيدي"أن أعدو داخل غرفة التحقيق الكبيرة نسبيا كي لا يتجمع الدم بقدمي.
بعد أسبوع من التحقيق العبثي والعذاب المنهجي الجسدي والنفسي اقتادني السجانون إلى غرفة الضابط، كالعادة كنت مطمشًا بقطعتي جلد على عيني.
تظاهر الضابط باللين وحدثني عن تاريخي البعثي المشرف وأشفق على حالي لأنني ورطت نفسي مع اليمين المشبوه!
لأول مرة أسمع كلمة اليمين المشبوه. فقلت له ماذا تقصد سيدي؟ وهنا انفجر غضبه وانهال علي لكمًا وشتمًا وضربًا وهو يقول: وعم تغشم حالك يا ابن الكلب؟ وهنا تدخل عناصر كانوا موجودين دون أن يبدر منهم صوت وأخذوني وأعادوني إلى زنزانتي المنفردة.
في الزنزانة لم أستطع أن أجد علاقة بيني وبين اليمين المشبوه الذي سمعته للتو.
أنا أعرف أن صفة اليمين المشبوه تطلق على جناح البعث العراقي وأنا شخصيًا لم أكن على علاقة مع أي عراقي حتى خلال دراستي الجامعية، وكانت جامعتنا مليئة بالطلبة العراقيين، حتى الدكتور العراقي الذي كان يدرس في كليتنا واسمه على ما أذكر محمد الحبوبي لم ألتق به بشكل منفرد طيلة فترة دراستي، فمن أين أتتني هذه التهمة؟
بعد أسبوع من العذاب اليومي والتحقيقات الشكلية طلبني الضابط مرة أخرى، وذكر على مسمعي عددًا من الأسماء، وطلب أن أوضح علاقتي بها. كان من بين الأسماء ابن عم لي كانت علاقتنا متينة، وكان ضابطًا في الجيش وأنا أعرف أنه لا علاقة له بالسياسة، لا من قريب ولا من بعيد.
أخبرني الضابط بعد سيل من الشتائم والضرب والركل أن تهمتي هي الاشتراك بمؤامرة للبعث العراقي لتنفيذ عمليات تخريبية في البلاد والسعي لتأسيس تنظيم حزبي معادٍ.