كنت أقضي بعض الأيام والليالي في مقر الرابطة الشبيبية أعد الأعلام، أنا والرفاق، واللافتات التي سننصبها في مفارق الطرق، أو نوزعها على المسيرات التي كنا نهيؤها في الأسبوع مرة أو مرتين، فبلدنا مهدد والمؤامرة الداخلية في قمة أوجها ولا بد من حشد التأييد للقائد والثورة.
نحن أبناء الريف درع الثورة، قاعدتها الخلفية وعمقها الاستراتيجي، والذخيرة المخبأة لوقت الشدائد. هكذا كنا نفهم الأمور وهكذا تعلمنا، والمؤامرة كبيرة كبر الوطن العربي ولا بد من التصدي لها.
في عام 1982 لم يمض يوم إلا وخرجنا فيه بمسيرة تأييد ومبايعة، لم أكن أذهب إلى البيت إلا لمامًا، فقد كلفت بقيادة كتيبة بعثية مسلحة، وكنا نقيم الدورات في معسكرات الصاعقة وبعض الثانويات نتدرب على السلاح والاستعداد لاقتحام أوكار"الخُوّان"المسلمين، كما كنا نسميهم.
في هذا العام كنت في السنة الثالثة في كلية الزراعة، وأمينًا لفرقة حزبية، وعضو قيادة شعبة حزبية، ومرشحًا قويًا صاعدًا لمناصب أعلى، أقربها عضو في قيادة فرع الحزب.
كان الحزب محور حياتي ووالدي ووالدتي يستنكران علي ذلك قائلين: ماذا سيفيدك الحزب طالما أن دراستك مؤجلة؟ وكنت أرد عليهم بكل صدق أن التحديات التي تواجه الوطن كبيرة ولا بد من التضحية!
مضت السنوات على هذه الحال إلى أن تخرجت عام 1984 مهندسًا زراعيًا وتم تعييني في مشروع استصلاح الأراضي في الفرات، وكان هذا أقصى ما أطمح إليه على صعيد العمل، فيما واصلت مهماتي الحزبية التي كنت مرشحا فيها كما أسلفت لمناصب ومهمات أرفع.
ضالع في مؤامرة لليمين المشبوه
وفجأة، ودون سابق إنذار أتت فجرًا سيارة مخابرات إلى بيت أهلي واقتادتني وسط ذهولي وذهول والدي ووالدتي إلى فرع الأمن، الذي رحلني إلى فرع التحقيق العسكري في الليلة التالية.
ما أذكره الآن بعد هذه السنوات أنني كنت أشبه بالإنسان المخدر لا أعرف ما الذي يجري بالضبط ولا السبب الذي يجعلني أقف هذا الموقف الذي كان خارج تصوراتي.
مضى علي أكثر من أسبوع في إحدى المنفردات لا أحد يكلمني ولا أكلم أحدًا. كانت المنفردة بحجم القبر وأصوات الأنين والشكوى تنبعث من المنفردات المجاورة وأصوات السجانين تشتم وتلعن.
خلال هذا الأسبوع طالت ذقني وهزل جسدي وكأنني قد قضيت دهرًا في أحد الكهوف.