فالتصورات والأفكار التي كنت تجهد في صوغها داخل الأسر لم تكن تُمتحن على محك الواقع بما يكفي لتجنيبك المفاجآت اللاحقة على مسرح الحياة.
لا يكفي القول إن اعتقالي، بوصفي سجين رأي، كان مظلمة كبيرة. فالظلم الأكبر هو ما يتصل بظروف الاعتقال والتحقيق وشروط السجن الرديئة، خاصة في السنوات الخمس الأولى، ناهيكم عن شروط المحاكمة وآثارها الكارثية التي لحقت بنا خارج السجن: كالتجريد من الحقوق المدنية، وكذلك ما يترتب عليها من نتائج اقتصادية واجتماعية وحقوقية. ففي ظل غياب العدالة، بل في غياب القانون أصلًا، ليس ثمة حام أم مرجع يمكن أن يفزع إليه المرء، وهذا ينطبق على مساحة زمنية امتدت لعقود كانت خلالها قوانين الاستثناء والأحكام العرفية - وما تزال بالطبع - سيفًا مسلطًا على رقابنا.
إن ظروفًا كهذه شكلت مع الزمن واقعًا استثنائيًا هو الآخر، يستمد قوته واستمراريته من الخوف والمصلحة، ومن القناعات الايديولوجية والسياسية التي تستميت في الدفاع عن كل ما قائم من ظلم وفساد وتغييب للقانون وانتهاك للحريات، العامة والفردية على السواء، وتسيّد مطلق على الجميع. وهنا بالضبط يصبح الاحساس بالظلم مزدوجًا - بماضيه وراهنيته - وما دام الحاضر مقرونًا إلى نير الماضي وينوء بثقله وتركاته إلى حد الجهالة. وهنا بالضبط لا يعود ممكنًا أصلًا فصل المعاناة الفردية عن تلك التي يكابدها المجتمع بأسره. وبالتالي فإن الحديث عن الأمل أو فقدانه، عن التفاؤل أو التشاؤم، يكف قطعًا عن أن يكون مجرد نتاج طبيعي للنزعة الفردية. بوسعي الزعم أن طبعي التفاؤلي قد زودني بالأمل والصبر طوال سنوات الأسر، بيد أن ذلك لا يغير كثيرًا من حقيقة أن ما واجهناه من إحباطات وآلام وفداحات كان فظيعًا.
قبيل خروجنا بعام كنا - نحن النظّارة عن بعد - نسمع ونقرأ ونراقب ونتأمل الأحداث والتفاعلات الجارية في ساحتنا السورية ونحن بين مصدق ومستغرب، ليس لأن ما يحدث غريب من حيث المبدأ، وإنما لأنه يحدث في سورية على وجه التحديد، مدركين في الوقت نفسه أن المناخ العام الذي رافق تلك المتغيرات قد سمح لنوع الحراك السياسي الجزئي بالظهور وذلك تعبيرًا عن التوق المزمن إلى الحرية والرغبة في مواكبة التطورات العالمية المتسارعة والمتلاحقة، وربما أيضًا انطلاقًا من إحساس البعض أن ملامح جديدة قد ترتسم في الأفق القريب. وقد أطلقت تسميات عديدة على هذه الأجواء:"ربيع دمشق"،"الحرية أخيرًا"،"بشائر الإصلاح".. إلخ، مستمدة فحواها من مقابلات الرئيس وخطاب القسم وما تلاها من نشاطات عامة مختلفة: مقابلات إذاعية وتلفزيونية، بيانات وتصريحات، حوارات على صفحات الجرائد المحلية والعربية، منتديات ثقافية وسياسية. بيد أن لجوء