فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 711

أعتبر الماضي ماضيًا إلاّ بمقدار التنكّر له، أو حذفه من تقويم الكائن البشري، أما تجاوزه على نحو إيجابي وفعال فهذا هو التحدي المطلوب.

من لحظات الضعف الأخرى، والتي تشكل في حدّ ذاتها شحنة إنسانية عارمة، أن يعتريك وجه أمّك أو زوجك أو ابنك!! أو أن تبادرك طفتلك على نحو مفاجئ وربما متوقع، قائلة:"أبي! لم أستطع أن أتذكّر منك شيئًا، على الرغم من صورك الموزّعة حول سريري!!!".

حين خرجت من المعتقل استقبلني والدي متوكئًا على عكازه الذي ورثه عن أبيه وقال وهو يغمرني بشيخوخته ذات العقد التاسع: هل تذكر يا بني تلك الخلاصة التي دونها النبي يوسف عليه السلام على جدار سجنه لحظة إطلاقه"هنا مقبرة الأحياء .. هنا تجربة الأصدقاء؟!".

قاصر كل قول عن الإحاطة بفيض المشاعر التي انتابتني لحظة عناقي"الحرية". ما من شك في أن رئتيَّ اتسعتا عن حاجتي بمقدار صراخ، على الرغم من إصابتي الرّبوية. أوجعني النور من جرّاء مديد الظلمة التي أُودعناها. وكان الاختبار الأوّل، قل الانتشال الأول، صوت ابنتي على الطرف الآخر من الخط الهاتفي. صوتٌ لم أتبيَّن من حشرجاته وفوضاه سوى موعدٍ على مفترق الجادة المؤديّة إلى بيت لا أعرف موقعه إلاّ في خارطة البال. دوّامة من الأحاسيس المتناقضة والأسئلة المشرعة كانت تتناهب الروح والعقل آنئذ. بعد قليل ستلتقي بكل منتظريك على قارعة الغياب، يرفعونك إلى السماء السابعة من انعدام الوزن، ويجرَّدونك من الزمان والمكان في طرفة عين. لكنْ، ما إن تقع عيناك على أمٍ ترى فيك ابنها الأسير بعدُ، حتى يستبدّ بك البكم فتطرق رأسك لكأنك المسؤول عن إبقائه رهن الأسر. تطالعك وجوه من ودعوك عند الباب الأوّل وشيّعوك حتى الباب الأخير المؤدي إلى"حريتك"وأنت أعجز عن التفاتة إلى الوراء. تزدرد شهقةً أمِلوها لك صعدَاء، فتنكمش خلايا الفرحة منذ تلك اللحظة. إذ ذاك تتأكد للمرة الألف من أن لا شيء بلغ منتهاه بعد: لا الفرح ولا الحزن، لا المكتسبات الصغيرة ولا الخسائر، حتى أن اسمك الذي كان لك ذات ولادة، يعود إليك متوجّسًا، قبل أن يستجمع شجاعته وينزع عنك الرقم الذي منحته خلال سني أسرك.

أنت خارج من"العالم الآخر"إلى عالم لا يشبهك، كأن كلًا منكما غريب عن الثاني. تقتحم الحياة وأنت مدرك تمامًا أن الكثير من معاييرك الأسرية صارت في عهدة الماضي وأن صراعًا، من نوع آخر، سوف تكون معنيًا بخوضه، ليس أقلّه ردم تلك الهوّة الزمنية التي تفصلك عن البشر، بكل ما انطوت عليه من تغيرات. إذ ذاك، أيضًا، تترسّخ لديك حقيقة أن القدَر الذي اخترته طواعية ذات يوم لا يتوقّف ثمنه عند الشريحة الزمنية التي سدّدتها من عمرك، بل يتعدّاها عمقًا واتساعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت