وذلك أن مرآة الذات قد تشتمل على غبشٍ مردّه نزعة التصالح مع الذات أو التستّر الضمني، وأحيانًا على النقيض من ذلك: جلد الذات المبالغ فيه!! أستطيع الزعم بأنني بتُّ أرى الألوان بكل اتساعها الطيفي، محترمًا تدرجّها القاضي بالتباين لا الإلغاء. وربما استطعت أن أنزع عني الميل إلى التفتيش عن إيمان تحصيني واهم، وترسخَّت قناعتي في أن تخليد المعتقدات أو محاولة إكسابها طابعًا مناعيًا أمر مردّه التهيّب النفسي والخوف الفطري من كل ما هو جديد على المرء، ولذلك فغالبًا ما نمارس تصفيات حقيقية لما يخالف قناعاتنا.
إن ضريبة من"كعب الدست"طولها خمسة عشر عامًا من السجن وثلاثة أعوام ملاحقة لا يمكن إلاّ أن تكتنف، شأنها شأن أي تجربة بشرية، لحظات ضعف وقوة، خسائر عامة وفردية، بقعًا مضيئة وأخرى، معتمة. والأمر الأكيد من بين هذه القضايا كلها، أنني أصبحت أكثر تشبثًا بأهداب الحرية التي تستحق أن يبذل الكثير من أجلها. فلو أخذنا بعين الاعتبار الفروقات في الخصائص الفردية بين الناس من حيث التجربة والوعي وتفرعاتهما، لحريٌّ بنا أن نضيف أيضًا عوامل الإضعاف المباشرة وغير المباشرة، وأن نرى إلى عناصر القوة أيضًا.
أولًا: ماذا يعني أن يُحكم على صديق سياسي لحزب معارض بـ 15 سنة أو بعشر سنين أو حتى بسنة واحدة؟ إنها الروح العقابية الردعية التي أرادت أن تجعل منه عبرة لشعبٍ بأكمله، وفزّاعة تقطع دابر القول ناهيكم عن الفعل السياسي. وقد نجحت هذه الروحية في ترويع الناس عمومًا وتفريغ النخبة الثقافية والفكرية السياسية من أضعف إيمانها. وإلاّ ما معنى أن تزجَّ قوى المعارضة الوطنية في السجون وتجرجَر إلى المحاكم بالجملة دون أن نسمع صوتًا على سبيل المؤازرة أو الإنصاف من قبل مواطنينا من الساسة والمثقفين؟! أوليست فداحة أن يختزلَ العدد الهائل للمحامين السوريين إلى مجرّد كوكبة صغيرة من أكباش الفداء الذين تطوعوا للدفاع عن المئات من المعتقلين السياسيين، على الرغم من إدراكهم أن هذه المحاكمات سياسية وأمنية أصلًا؟!!! ما معنى أن يكون هؤلاء الذين قضوا ربع أعمارهم أو خمسها أو سدسها في السجن مجردّين الآن من حقوقهم المدنية من دون أن تهتز شعرة لنقابة المحامين، أو تنبري جماعة من الأطباء لمعالجتهم صحيًا أو .. إلخ؟!!! إنها أسئلة برسم الجميع. ليست تحسّرًا على ما فات، وليست استجداء لصدقة. فهذه التجربة بكل ما لها وما عليها ما عادت ملكًا حصريًا لمن خاضها. وما ذكرته ليس سوى عيّنة لا نهائية من الأسئلة المرَّة التي انتابتنا داخل السجن وخارجه على السواء، هي أمثلة شبه نموذجية عن بعض عوامل الخذلان والإضعاف، وبالتالي فإن الشفاء من تداعيات الأسر الطويل يرتهن بعناصر عدة منها، الطبيعة الذهنية والنفسية للفرد، وطبيعة التجربة، وكذلك مجمل الشروط التي تلي محطة"الانعتاق"؛ أقصد ألاّ يكون ما ينتظرك هو مجرد حريّة مجازيّة أو انتقال جغرافي. أنا أؤمن بالنسيان الرحيم، لكنني لا