فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 711

يتطلّب من السجين أن يشغل نفسه ما أمكن، أن يتخلّى عن بعض العادات الماقبل أسرية ويجترح لنفسه أخرى بديلة. أن يسأل نفسه كل ليلة: ما الذي فعلتهُ سحابةَ هذا النهار؟ أن يتأكد من أن عوامل تكيّفه مع الأسر فعّالة. فالتكيّف سيف ذو حدين، أحدهما ضدّك والآخر لك. أحدهما يودي بك إلى مهاوي كهفك الجوّاني فتتآكل ذاتيًا وببطء، فيما الآخر يشدّ أزرك، ويعلو بك فوق الأسر، ويمنحك القدرة على إيفاء ذاتك حقّها، وعلى إنصاف الآخر، الذي يشاركك المصير نفسه، ويجعلك أكثر اتساعًا للعطاء والتواصل والصدر، أي يقرّبك من كينونتك أكثر.

قد يسأل سائل: هل أضافت لك شيئًا هذه التجربة، هل أغنتك، هل أفقدتك شيئًا، وهل تركت آثارها عليك؟!

بين معتقل تدمر وسجن صيدنايا بضع مئات من الكيلومترات، وحلمٌ أو بعض حرية مبتغاة. البون بينهما خرافي في المحتوى. وصفرٌ عن متناول الحرية الحقيقية، وكلاهما استمرار للتجربة.

حين قالوا لنا:"ضبّوا أغراضكم"، تقمّصتنا ملامح الأطفال صبيحة"العيدية"! وعاودتنا قسمات الأمل بصورة مغايرة، كذا الأحلام ومشاريع الفرح. لم ننم طوال تلك الليلة التي سبقت ترحيلنا. إذن كان الخامس من أيار 1992 معلمًا لا يُضاهى. خلع المكان عنه حياديته فتوادعنا مذ أصبح في ذمة الماضي. وهناك في صيدنايا السجن بدأنا نشهد آثار الزمن والشوق على وجوه رفاقنا، ثم أهلينا لاحقًا، ونشهد طلوع الشمس وغروبها، ومحكاماتنا في محكمة أمن الدولة العليا التي أحِلنا إليها في 7/ 5/1992، أي بعد وصولنا إلى سجن صيدنايا بيومين، واستمرت جلسات المحكمة حتى 27/ 6/1995 يوم صدور الحكم بحق مجموعتنا.

في سجن صيدنايا تعرّفنا الأوراق والأقلام والأصوات والوجوه والزيارات والراديو والثياب، وكل هذه الأشياء كانت مستحيلة في تدمر وتعتبر"ترفًا"!!

أبدأ من السؤال الفرعي الأخير لأقول: ما من شك في أن التجربة قد خلّفت آثارًا متنوعة قد يحتاج بعضها إلى وقت طويل كي يتم تجاوزها. ولكن ما مقدار هذه الآثار وكيف ستتمظهر؟، فهذا سؤال في عهدة الآخرين ممن يحيطون بي، وكذلك في قدرتي على غربلة ذاتي بصورة واعية وقصدية، بل تنخيلها حين ينبغي.

لا أدري بالضبط إلى أي حدٍ أصبحت متفارقًا مع أناي السابقة، لكنني أقدّر أنني تجاوزتُني في مواضع ومواقف وآراء عديدة. وأفترض أن هويتي ذات الأثافي الثلاث - الماضي والحاضر والغد - قد اتسعت إنسانيًا، واحتدمت ربما، بصراعات ذاتية المنشأ أكثر بكثير من السابق. ولعلّ الآخر، بوصفه المرآة الأنجع، يمكنه أن يعكس ما تغيّر لدي، تعديلًا أو إلغاءً أو تطويرًا بصورة أقلّ خداعًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت