فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 711

أي كوةٍ متاحة. نحتفل بأعياد ميلاد أولادنا ومناسبات زواجنا، ولدى رؤية حمامة تحطُّ مصادفة فوق غصن شجرة السرو البعيدة، أو حين عصافير الدوري تقيم أعراسها الموسمية. في المعتقل تعابثك الذكريات فقط لكي تؤكد لك أن وجدانك ما يزال على قيد الحياة، وأن قدرتك على تحديد جهات أربع وسط هذه الدائرة الصوانيّة ما تزال حاضرة.

في بؤر عسف كهذه يضربك الجلاّد وهو يقهقه، ويتلو القاضي حكمه عليك وهو أشبه بمومياء ضاحكة، ويجلدك السَّجان فارضًا عليك أن تعدَّ العصي، حتى إذا سها عقلك تحت وطأة الألم، يعيدك إلى البداية، مستنسرًا إلى أقصى الجبروت والانفلات من عناصره البشرية. في لحظات كهذه كنت أتذكّر نُعَرَةَ الخيل، تلك الذبابة الزرقاء الكبيرة التي تعذّب ضحيتها. تناور، تئز، تخاتل، إلى أن تنسلَّ إلى أنف الحصان. يتململ، يراوح، يدور في مكانه، يضرب برأسه صعودًا وهبوطًا، ينخر. تخرج. تعاوده، تداور، تنقض، تلدغ، تفرّ، تلتصق تحت الذيل. يركل الأرض بقوائمه، يتحرك بعشوائية المهتاج، يفتل عنقه، يضرب بذيله، يحمحم ألمًا وغيظًا، يحتكّ بجذع شجرة، يسقط يتقلّب، تفرّ، تدوّم، تئز تنتصر. وما إن يشرع بالوقوف ثانية على قدميه، حتى تستنسر من جديد: البغاث البشري زرقته سوداء قاتمة!!!

هذا العالمُ الأسري اللامتوازن، اللاعقلاني يريدك ألاّ تكفَّ عن عدِّ الخسائر، وألاَّ يخرجَ عقلك أو ذاكرتك من حمأة هذه المظلمة، الأمر الذي يفرض عليك تحدّيًا ثنائيًا، أوَّلهما إزاء الظرف المحيط بك وثانيهما إزاء كينونتك الداخلية. تنشأ لديك معايير خاصة لحبّ الحياة، تفترض بك خلق توازن يليق بذاتك الإنسانية، ونسج صراط لحمتهُ الفعل وسداته الإرادة الواعية.

إنها لحاجة ماسة أن يصير أحدُنا العقل البلسمي للآخر وصمّام أمانه على الرغم من جسامة الضريبة المترتبّة على مهمة كهذه.

أحيانًا تكفي تمريرة يد على رأسك كي تنسيك الدم النازف من هامتك، تكفي ابتسامة خافقة، أو دمعة وارفة الرحمة كي تحيل اليأس بأسًا، قل تكفي طرفة على سبيل التأسِّي كي تخلق مهزلة من كل هذه الدراما الجهنمية!! تلك هي الضمادات الإنسانية التي كانت ناجعة لجراحاتنا. وما دامت تندرج في إطار السلوك الجمعي فإن ضمانتها فيها، وكذلك عناصر استمرارها، ذلك أن القوى الذاتية لكل فرد تكون، والحالة هذه، محصلة لطاقات المجموعة البشرية التي تحتويك بين ظهرانيها.

بدءًا من محطة تدمر وجدت نفسي وجهًا لوجه أمام خصمٍ وصديق في آن: الوقت. كنت مدركًا أنه في مكان كهذا، يمكن للوقت أن ينطوي على نقيضي الخصومة والصداقة، ولذلك فقد خضت الرهان معه، وربما جميعنا خاض الرهان نفسه، كل بطريقته الخاصة: من سيمتطي صهوة الآخر؟ كنت على يقين من أنه مزوّد بما تقتضيه عدّة الفارس أما أنا فكنت موثقًا بكل دواعي المطيّة. هذا الرهان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت