فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 711

بعد معاناة قاسية دامت أشهرًا لم يكن من الصعب خلالها التوصل إلى حقيقة مفادها أن ليس ثمة قرار سياسي بتصفيتنا جسديًا، ولكن كل ما عدا ذلك كان متاحًا ضدنا إلى ما لا نهاية. وكانت وسائلنا الدفاعية شبه الوحيدة التململ الجزئي والصبر ونزع الذرائع. ومع استمرار دورة الآلام اليومية لم يبق أمامنا سوى خيار واحد وحيد: الرفض الواضح لهذه السياسة العقابية والاحتجاج على كل تلك الممارسات المجنونة. وفعلًا خرجنا تدريجيًا من وطأة القهر والخوف، وارتفعت أصواتنا، وبدأت مطالبنا تتزايد، وكذلك حاجاتنا، مدركين في الوقت نفسه أن ما نطالب به لا يعدو كونه أدنى متطلبات وحقوق السجين السياسي، من قبيل: وضع حد للضرب العشوائي، رفع الرأس وفتح العينين لدى خروجنا إلى باحة التنفس، تحسين الطعام، إيقاف الشتائم والإهانات، تلقّي المعالجة الطبية، الحصول على كمية من المنظفات كافية (الصابون العسكري طبعًا) ، توفير الصحافة والكتب من مكتبة السجن - وهذا المطلب الأخير لم يتحقق إلا بعد خوضنا الإضراب الأول (ليوم واحد) في 6/ 6/1989، ولم ينتظم وصول الصحف المحليّة والكتب إلاّ بعيد إضرابنا الثاني عن الطعام (12 يومًا) وذلك في 12/ 10/1989، حيث تمّ نقلنا إلى مكان آخر كجزء من مطالبنا الجديدة. مع ذلك كله كانت مطالبنا، على الرغم من تحققها النسبي، تواجه بالتطنيش والتسويف والتقطّع. ولعلّ الهدنة الوحيدة التي عشناها هي تلك الفترة التي سبقت إضرابنا الثالث (17 يومًا) في 16/ 2/1991، الذي كنا نسعى من ورائه إلى تكريس ما حققناه خلال المرحلة الفائتة وانتزاع حقوق ومطالب جديدة. وفي هذا الإضراب كنا قد ازددنا ثلاثة، وصار عددنا تسعة عشر رفيقًا، وعلى الرغم من أن أوضاعنا باتت أقل سوءًا إلاّ أننا بقينا معزولين كليًا عن العالم الخارجي، محرومين من الزيارات لمدة خمس سنوات ومن الأوراق والأقلام والراديو والثياب وعدة النوم الكافية.

في تدمر كان ثمة سؤال مصيري انبرى أمامنا من تلقائه: كيف سنحافظ على قوانا الذهنية والنفسية والجسدية بأقل الخسائر؟

حاولنا منذ البداية الاحتيال على الشرطين، الخارجي والداخلي، من خلال ابتداع وسائل مناوئة للوقت والأسر: كنا نتحاور، نتبادل الخبرات، نخلق وسائل تسلية من شأنها إزاحة كابوس المشاهد اليومية المريعة عن نفوسنا، كنا جميعًا نتعلّم من ونعلّم بعضنا بعضًا: قمنا بدورات تعليمية شفهية في الاقتصاد واللغات والعروض وما إلى ذلك، نحفظ الشعر كجزء من تمرين الذاكرة، ونتبارى شعريًا، ونحكي القصص والروايات والسيِّر الشخصية. اغتنت تعارفاتنا، وصرنا أكثر إحاطة وتفهّمًا، واتضحت سماتنا بكل ما فيها من سجايا حسنة أو غير مستحبة، ومن تناقضات .. وأصبح الكل مرئيًا في مرايا الكل. باختصار كوّنا بدائل حقيقية ولو متواضعة، وكنا نسعى إلى إدخال الفرح من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت