ومض الباص بنا نريده أن يطير أسرع من السحاب ويبلغنا بيوتنا للتو. . لكننا كنا في نفس الوقت وكأننا نفكر بعقل واحد في الأتي المجهول: كيف سنفترق اليوم ونصحو في الغد بعيدين عن بعضنا البعض بعد تسع سنوات من صحبة العسر واليسر؟ إلى أين سنذهب. . ومن سنلتقي. . وماذا عمن مات أو قتل. . ماذا عن حماة التي تهدمت. . والأحياء التي سويت بالأرض. . والأحباب الذين واراهم الثرى وقد كانوا بهجة العمر كله إ! وظلت دوامة التساؤلات تعصف بنا حتى بلغنا مشارف حماة وفكوا لنا الكلبشات من أيدينا وقالوا للحمويات أن يستعددن للمغادرة. . فالركب سيكمل بالبقية إلى حلب. وجعلنا نقبل الحلبيات ويقبلننا ويستسمح بعضنا البعض ونتواصى بالزيارة القريبة والإتصال المستمر. . وتوقف الباص أخيرا أمام فرع الأمن العسكري على مشارف المدينة، وتخطى السائق البوا بة ونزل رئيس الدورية التي رافقتنا فتبادل بعض الكلمات مع مسؤولي الفرع قبل أن يأمرننا بالنزول. . وعاد وبقية العناصر معه إلى الباص وهم يهنؤوننا على الإفراج ويقولون وهم يبتسمون: -الحمدلله خلصنا منكم ومن نقكم. .
كل عام. . وأنتم بخير!
وذهب الركب باتجاه حلب. . ووجدنا عناصر أخرى تستقبلنا هناك بلا اكتراث. . ولم نلبث أن طرق أسماعنا عبارات التهنئة بالعام الجديد يتبادلونها بينهم. . فتذكرنا أن رأس السنة على الأبواب. . ولكننا لم ندرك أننا ينبغي لذلك أن ننتظر مزيدا من الوقت ليحضر رئيس الفرع من مراسم التعييد! وفي غرفة من غرف الفرع الباردة تكومنا واحدة تلو الأخرى ليست لنا من حيلة إلا الإنتظار. . وبعد ساعات كنا لا نملك إلا التحديق بوجوه بعضنا البعض وارسال الزفرات حضر أحد العناصر وسأل كل واحدة أن تعطيه رقم هاتف ولي أمرها الذي تريد أن يستلمها.؟. وكان الأهالي قد سمعوا قبل أيام عن نبأ الإفراج فذهب الآباء إلى دوما أولا ليسألوا فقال لهم المقدم هناك بأننا نقلنا إلى سجن (عدرا) ! فلما ذهبوا هناك لم يجدوا عنا أي خبر. . ولم يعودوا يعرفوا عنا أي شيء. فلما اتصلوا بهم بدأوا يتوافدون على باب الفرع بين مصدق ومكذب. . واجتمع أكثر آباء البنات واخوانهن وأنا لم يحضر لاستلامي أحد! وعندما حضر العنصر وسالنى عن هاتف ولي أمري لم أدر بم أجيب. . ولم أجد شيئا أعطيه أو اسما من الأحياء أذكره! وكانوا قد اتصلوا بوالد ماجدة وقالوا له مثلما قالوا للآخرين -تعال واستلم ابنتك. . فظنها مداعبة من أحد ما وأقفل الخط! فذهبوا إلى البيت وأحضروه بأنفسهم وهو لا يزال يظن الأمر لعبة. . فلما راها بعينيه كاد أن يغشى عليه. . وأخذ وهو يحتضنها ينظرإلي ويبكي وهو يتمتم: - وأنت من الذي سيأتي ويأخذك! فلما عاد العنصر يسالنىوقد كاد ينفض الجميع - مع من أريد الذهاب، قلت مع أبي ماجدة. وأثناء ذلك