حضر شقيق واحدة أخرى من البنات وعرض أن يصحبني برفقتها. . فلما اخترت والد ماجدة اتصل ذاك ببيت عمي بعدما أخرج رقمهم من الدليل، لكن عمي وزوجته كانا في حمص وبقيت خالة الأولاد معهم في البيت، فلما أبلغها بالنبأ اتصلت بخالي هناك وأخبرتهم أن شخصا اتصل وقال بأن هبة طلعت واذهبوا لتأخذوها. فقالت لها عمتي: يكفي كذبا واذا اتصل ثانية أغلقي الخط بوجهه! فاتصل مرة ثانية وقال لها: - هبة عند بيت رفيقتها ماجدة. . اذهبوا وأتوا بها. فأعطته رقم حمص ليحدثهم مباشرة، فلما اتصل سألته عمتي: - من حضرتك؟ قال: فاعل خير. فخافوا من ذلك وارتابوا. . لكنها وبعدما أقفلت الخط رأت أن تتصل ببيت أهل ماجدة فتأكد لها الخبر، لكنها ولما طلبت أن تتكلم معي حتى تصدق ونادوني لأحدثها وجدتني وكأنما نسيت كيف يكون الحديث على التلفون! ولم تكد تسمع صوتي حتى وجدتها حضرت أسرع مما أتخيل! ودخلت فاحتضنتني ورجعت تقبلني وأنا جامدة مكاني وكأنني لم أعد أميز بين الفرح والحزن! اختلط الشعوران عندي فلم أعد أعرف ماذا أفعل أو الى أين ينبغي أن أذهب! وكان أهل الحي قد اجتمعوا رجالا ونساء وأطفالا يهنئون بسلامتنا ويباركون لنا. . لكن ظلال التوجس كانت بادية على الوجوه وهم يحملقون فينا ولا يزيدون على أن يحمدوا الله. واقتادتني عمتي من يدي. . وأم ماجدة من ورائنا ترقبنا دامعة العينين وقد أرادتني أن أبيت عندهم الليلة. . وكنت أود ذلك أيضا وأحسها بمنزلة أمي رحمها الله. . وكانت قد رأتني قبل يوم في نومها أنني أرسلت لها بطاقة عليها رسم المسجد الأقصى وكتبت لها تحتها: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ا لأقصى) فتفاءلت بذلك وذهبت للشيخ ففسر لها المنام وبشرها بقرب فك أسرنا. . وكان ذلك في اليوم الثاني بالفعل ..
ظلال الفاجعة!
وفي تلك الليلة الباردة أواخر عام 89 ولجت سيارة عمتي وقد قاربت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل. . وتكورت على نفسي أتقي البرد القارس والقادم المجهول. . وبينما كانت السيارة تعبر بنا المدينة من طرف إلى طرف، كانت المشاهد أمامي تنطق بالوحشة أنى اتجهت. . فالدمار الذي مضت عليه سبع سنوات لا تزال ظلاله تنطق بالفاجعة. . والشوارع المقفرة تحكي حال القلوب المقفرة. . والنواعير التي طالما حركت بأنينها شجى القلوب أراها جامدة خامدة. . وقد جف من تحتها العاصي وتيبست حولها الأشجار والحقول. كان كل شيء عهدته في المدينة قد تغير، وماتت على شفاه المشاهد هيئة الحياة. . وحدها سيارات المخابرات لم تتغير برغم السنين. . ها هي ذي تحتل مفارق الطرقات أو تطل مقدماتها من بين الأزقة تترصد الساعة ربما أحلام النائمين! وقتها