وأطلقوا سراحها. . وأخيرا ونحن نصارع الهواجس ونتقلب بين المد والجزر أتوا صباح الرابم والعشرين من ديسمبر وأبلغونا أن ساعة الإفراج قد حانت هذه المرة. . وأخرجونا ونحن بين مصدق ومكذب لتسلم الأمانات وملء الإستمارات. . لكننا لم نكد نغادر المهجع حتى تراجعوا وقالوا أن الأمر تأجل للمساء! وعادوا فكرروا نفس الأمر في الليل، فأخرجونا إلى غرفة الأمانات وأوقفونا في طابور طويل. . وبينما نحن ننتظر على أعصابنا طفح الكيل بأمل فمالت على بنت بجانبها وقالت لها: - والله كأننا واقفين بانتظار بطاقات التموين في المؤسسة! فالتقط أحد العناصر العبارة واهتبلها فرصة فقال للمقدم عمر: - سيدي. . أتسمع ما تقوله؟ فسأله ذاك: ماذا قالت؟ قال: سيدي هؤلاء لا يتوبون. . ويبقون يتحدثون في السياسة ونقل له العبارة مثلما يحلو له. . فجاء المقدم وكأنما لسعته أفعى يرغي بالشتائم ويزيد وهو يصيح: - والله أنتو ما لازم تخرجو. . لا زم تنقبروا هون حتى الموت. . حتى إذا أكمل قاموس الشتائم التي يحفظها عن ظهر قلب وتسلمنا آخر الأمر أماناتنا وملأنا كل الإستمارات ووقعناها قالوا لنا بأن الأمر تأجل إلى صباح الغد بسبب الضباب. . وأعادونا إلى المهجع الثاني الذي كانت البنات فيه، فتكومنا كلنا وراء الباب مترقبات متحفزات لا نستطيع النوم. . وعدنا إلى التشاؤم من جديد، وتذكرنا كيف وعدوا الشباب بالإفراج في كفر سوسة ثم نقلوهم إلى تدمر! وبقينا طوال الليل نستسلم لهذه المشاعر المرة حينا. . وحينا لمداعبات الأمل ولمحاته اللذيذة والتفكر فيما يمكن أن نفعله إذا خرجنا. . لكنني كنت واقع الأمر أحس نفسي عاجزة عن تصور ما الذي يمكن أن أفعله إذا خرجت. . وكأن العقل لدي قد توقف قبل هذه المرحلة وما عاد يستطيع استيعاب معنى الخروج أوالى أين يمكن أن يكون. . كانت البعض تقلن: أنا سأعود لأكمل دراستي. . أو إلى وظيفتي من جديد. . ومنهن من كانت تقسم أنها لن تعود إلى الوظيفة الحكومية أبدا. . وستمضي العمر بين الأهل والأحباب. . وأما أنا فلم أعد أستطيع حتى أن أفكر في هذا الإتجاه. . وأراه حتى اللحظة شيئا مقطوعا منه الأمل ولا يتصوره العقل. . ذاك الذي كان بيننا وبين أن نبلغه مجرد مطلع الفجر!
حتى مطلع الفجر!
واذا كانت ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من ديسمبر تلك ليلة لا تنسى فإن مما لا ينسى فيها أولئك الشباب السجناء الذين أحيوا الليلة معنا في مهجعهم المقابل يتلون القران والتسابيح والأذكار وقد بلغهم قرب الإفراج عنا على نية الفرج والتسهيل، وكنا نتلمس من إشارات منهم أنهم يعيشون همنا ومشغولون بنا أكثر من أنفسهم. . وعلى الرغم من الخاطرة البالغة فقد استمروا يجهرون بالتلاوة والدعاء ليبلغنا في ظلمة الليل فكأنما هو النور يتنزل من السماء. . وسلمهم الله