فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 711

أمىوالإضراب

لم ينته اليوم الثاني علي من غير تحقيق جديد. . كنت خلال ساعاتي التي مضت في السجن قد أدركت مجمل ما يدور حولي، وتذوقت في أول قدومي أشد العذاب وأبشع التهديدات، فلما نادوني للتحقيق من جديد لم يكن هناك ثمة جديد! أعادوا طرح نفس الأسئلة وتوجيه نفس الإتهامات بنفس الطريقة ونفس الأسلوب. . وعلى مدار أسبوع كامل استمر البرنامج نفسه، ولم يتغير فيه إلا طريقة الضرب بعض الشيء! فمع الضرب بالخيزران والعصي أرادوا مرة أن يضعوني على الدولاب فلم يكن على مقاسي، فصار المحقق يعوض عن ذلك بالضرب بالخيزرانة وأنا واقفة، فطال بذلك كل جسدي، وزاد من بقع الألم وآثار المعاناة، ولكن شيئا في الأسئلة أو الإجابات لم يتغير! أما في المنفردة فكانت المتغيرات مستمرة هناك. . والمشاهد المفجعة والحوادث المحزنة لم تتوقف: كانت استغاثات السجناء لا تكاد تكف ليلا أو نهارا. . والويل كل الويل لمن يضبطه العناصر وهو يصلي! كانوا يمرون عليهم بلا ميعاد، فإذا ضبطوا أحدهم من الطاقة يصلي أخرجوه فأوسعوه ضربا وتعذيبا بلا رحمة، وأما الكفر بالله والشتائم البذيئة فكانت ديدنهم حتى عندما يتخاطبون فيما بينهم، لكنهم لم يكونوا ولله الحمد يضربوننا نحن النساء على ذلك، وكنا نتمكن من الصلاة حتى تحت مراقبتهم. وكنت في بعض الأحيان أعطي ماجدة بعض الإشارات بالضرب على الجدار بيني وبينها، واذا تأكدنا من خلو المكان من العناصر كنت أكلمها وتكلمني عبر الجدار، وأذكر أن عنصرا أحس بنا مرة نتحدث في الليل فنهض بسرعة وأتى نحونا يصيح: -أنا أسمع صوتا. . من هذا الذي يتكلم؟ وحتى لا تكون سببا في تعذيب أحد من الشباب قالت ماجدة بثقة: - أنا. فسالها بغضب: مع من؟ قالت: مع صديقتي. . أهو حرام؟ ومرت الحادثة ولله الحمد بسلام. وأما والدتي فلم تكن تدخر فرصة للإتصال بي إلا واغتنمتها. . حتى ولو كلفها ذلك الكثير. كانت كلما أرادت أن تخرج إلى"الخط"توقفت عند زنزانتي وتعلقت بقفلها لا تريد أن تتزحزح حتى يفتحوا لها فتراني وتحدثني ولو كلمتين، فإذا ملوا أحيانا من سحبها ومدافعتها فتحوا لها الطاقة وقالوا: - هيا شوفيها ولكن بلا كلمتين. . فترفض وتطلب أن يفتحوا الباب لها. . فيقولوا: ممنوع. ولم تلبث في اليوم الثاني من اعتقالها وبعد خروج بقية البنات من دوننا أن أضربت عن الطعام وعن الخروج إلى الحمام وحتى عن النوم حتى تراني. . ولم أدر بذلك إلا عندما حضر أبو عادل رئيس النوبة يقول لي: -إذا التقيت أمك مرة ثانية فأعطيها دروسا في الدين. . قولي لها إن لجسدك عليك حقا. . ألم تدرسي ذلك في الشريعة؟ خليها تأكل. قلت له: هي أم وأنت تعرف كيف يكون قلب الأم. . والحق معها. وفي اليوم الثاني ومع استمرارها بالإضراب أتى الأمر بالسماح لها أن تراني وأراها، فجاء أبو عادل ثانية وأخذني إلى زنزانتها وهو يذكرني بحديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت