وقت الضحى! وسرعان ما بدأت الشتائم واللعنات وعبارات الكفر بالله تختلط بفرقعة الكبلات على ظهور السجناء يقتادونهم إلى الحمامات أو إلى"الخط"بلغة السجن المتداولة. كان (ياسين) المجند العلوي المتطوع أحد أجهل خلق الله وأغباهم يتصدر لهذا العمل على الدوام، فتراه يمسك بالكبل بيده ويتفرس في طابور المعتقلين المتجه نحو الحمامات لبرهة، ثم لا يلبث أن ينقض على المساكين لطما ولسعا يسلخ جلودهم كالدواب. . والويل كل الويل لمن كان يجرؤ ويصيح من الألم. . فجزاء ذلك مضاعفة العذاب حتى لا يعيدها ثانية! وسرعان ما انطلق صوت أمي من زنزانتها تنادي عليه: يا ولدي. . هل تظن أنك لا تزال في الضيعة التي جئت منها وهؤلاء قطيع من البقر الذي كنت ترعاه! ولم يكن ياسين ليرضى أن يقطع متعته الصباحية شيء فاستمر يجلد الشباب ويتلذذ في خلق هذا المشهد الرهيب. . وأمي تطرق الباب بأيديها وأرجلها وتبكي ألما عليهم وحسرة وليس من مجيب! ولم تكد تنته هذه المأساة ويهدأ المكان بعض الوقت حتى كان موعد التحقيقات قد جاء، وعاد صراخ المعذبين وصيحات العناصر وشتائم المحققين تقرع اذاننا وتذيب منا القلوب، ثم وكما بدأت بلا مقدمات خفتت الأصوات من جديد، ولم ألبث أن وجدت باب الزنزانة يفتح وأحد العناصر يدعوني للذهاب إلى الحمام، فلما أصبحت هناك وحدي وبدأت الوضوء وكل ظني أنني قد أغلقت الباب بإحكام علي فوجئت بوالدتي أمامي، فأدهشتها المفاجأة مثلما أدهشتني. . واندفعت من فورها تحيطني بذراعيها وتسألنى وهي بادية الإضطراب: - قتلوك؟ عذ بوك؟ قلت أريد أن أخفف المصاب عنها: لا. . أنا بخير. لكنني كنت وقتها أضع رجلي على الحوض وأغسلها للوضوء، فأشارت مفجوعة إليها تقول: ولكن ما هذا؟ رجلك كلها زرقاء وأصابعك مزرقة أيضا ولا تكاد تظهر! هل أذاك أحد؟ هل مسك أحد؟ قلت من جديد: لا. . الحمد لله ما مسني أحد. سألتني وكأننا في سباق مع الزمن: ولماذا أمسكوك إذا؟ قلت: والله لا أعرف. . يريدون أخي صفوان ويريدونني أن أدلهم عليه. فأخبرتني هنا أنها أجابت في التحقيق كما أجبت بأنه يدرس في الباكستان، فشعرت بارتياح لتطابق كلامي مع كلامها، ولكنني وجدتها تتركني وتخرج إلى الممر ندعو عليهم بأعلى صوتها، فحضر حسين راكضا وهو يصيح بالعنصر الآخر: - كيف جعلتها تدخل والأخرى لا تزال هناك؟ ألا تعلم أن اجتماع أكثر من شخص هناك ممنوع؟ أجاب العنصر الذي أحضر أمي: لم يكن لي عالم بوجود أحد اخر. . لماذا أغلقت أنت باب المنفردة التي كانت فيها ولم تتركه مفتوحا لأعلم أنها لا تزال في الخارج؟ واقتاد كلاهما والدتي وهي لا تكف عن إطلاق دعواتها عليهم، ولم تتح لي رؤيتها ثانية إلا بعد أيام، ولم تتح لي معرفة سبب وكيفية اعتقالها إلا حينما اجتمعنا في المهجع بعد انتهاء التحقيق. . فقصت علي - رحمها الله - ما جرى بالتفصيل.