فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 711

متكورة على نفسي وسط الزنزانة أرمق الصراصير في تلك الظلمة تتسلق الجدران حولي دونما اكتراث بالنزيل الجديد. . شق جدار السكون فجأة صوت مزلاج الباب الخارجي وصياح السجانين وتدافع أقدام تتخبط مهرولة فوق الدرجات وعلى الممر باتجاه منفردة قريبة. أدركت بحدسي أن دفعة من المعتقلين الجدد قد وصلت، وعلمت لاحقا أنهم ستة أو سبعة شباب بين الثانية عشرة والخامسة عشرة من العمر جمعوهم من مسجد واحد وحشروهم معا في هذه المنفردة التي لا تزيد بمساحتها عن متر بمتر ونصف! والذي يبدو أن واحدا منهم أصابه إسهال من الخوف أو التعذيب فجعل يصيح طالبا الخروج إلى الحمام، فلا يجيبه إلا صوت العناصر الغارقين في متعة الإحتفال برأس السنة: -سد حلقك! لكن الفتى لم يكن يستطيع الصبر، فيعيد الرجاء وينادي: -والله بطني بتوجعني. . يا عالم. . لم أعد أستطيع ضبط نفسي. . عندها جاءه عنصر منهم وفتح النافذة وتناوله بضربة بالكبل وهو يكرر-سد حلقك واخرس يا. . . وسكت الفتى لبرهة يا حرام، بدأنا نشم بعدها رائحة من زنزانتهم خنقتنا. . فعاد العنصرإليه يكفر ويلعن ويقول له: -فعلتها هنا يا ابن ال. . . وأخرجه إلى الممر وانهال عليه ضربا كالمجنون، وتعالى صراخ أمي من منفردتها ثانية تدعو عليهم وتقول له: -يخرب بيتك. . مالك قلب بشر؟ سألك أن تخرجه فلم تفعل ففعلها تحته. .ماذا يفعل المسكين بنفسه؟ وعاد الأمر بعد هذه المهزلة إلى ما يشبه الهدوء من جديد. . ومضت ساعات الليل المتبقية تمر علي أثقل من الجبال، وعلى الرغم من أنني لم يطرق لي النوم جفنا ليلتها إلا أنني بدأت أفقد الإحساس بما حولي، وأتخيل ربما من شدة البرد أن الثلج قد غطى المكان كله، وأن العناصر تستعد لاقتحام الزنزانة علي ليسحبوني في هذا الثلج فيعروني ويعذبوني للمرة الأخيرة قبل أن يرشوني وأغادر الحياة! لكن شيئا من ذلك لم يحدث، ولم ألبث وقد دنا وقت الفجر أن أحسست بما يشبه الطرق الخافت على الجدار من الزنزانة الأخرى المجاورة حيث وضعوا ماجدة، فعلمت أنها تنبهني إلى موعد الصلاة، ولم نكن خلال الفترة السابقة من الإعتقال كلها قد تمكنا من الصلاة، فتيممت وهممت أن أبدأ، لكنني لم أستطع معرفة اتجاه القبلة فطرقت الباب، ولم يلبث أن حضر حسين من جديد فسألته، فقال بسخرية: - كيف وضعت رأسك على الفلقة فهذا اتجاه القبلة! كررت عليه السؤال مع الرجاء، فقال بتبرم: - أنا لا أصلي. . لا أعرف، لكنني أشاهد الشباب في المنفردات يصلون بهدا الإتجاه. فصليت إلى حيث أشار وظهري إلى الباب، فكان قلبي ينتفض من الرعب طوال الصلاة خشية أن يفتح أحد العناصر علي فيراني وأنا أصلى! فيحدث ما لا تحمد عقباه! وبالفعل. . وبينما أنا في صلاتي فتح السجان ابراهيم الطاقة ليعطيني الإفطار، فلما رآني أصلي قال بما يشبه السخرية: -شو. . عم بتصلي؟ فلم أجب، ولكنني أحسست أن قلبي قد سقط بين يدي، غير أن الله سلم، ومضى إبراهيم فأكمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت