مضت الأمور على هذه الشاكلة. أداوم في كلية الهندسة بشكل عادي، وأساعد بين وقت وآخر في نقل المراسلات وتبليغ المهمات بين عمان ودمشق، إلى أن قدر الله في يوم من أيام شهر آذار كنت مسافرًا وقتها من دمشق إلى الأردن حينما أوقفوني في مركز الحدود السورية من غير مقدمات وأمروني بمغادرة السيارة والذهاب معهم. وكان من لطف الله أنني لم أكن أحمل معي أية رسالة أو أمر يثير الشك يومها. وبت ليلتها في سجن المخابرات بدرعا من غير أن توجه لي تهمة محددة. ولا أزال أذكر كيف اخترق البرد عظامي وجعلني أعاني الليل كله في الزنزانة وحدي تختلط الأفكار في ذهني وتتقلب علي الهواجس قبل أن تأتي دورية للمخابرات صباح اليوم التالي فتأخذني إلى قيادة الأركان بدمشق.
ورغم أنني لم أشعر بالخوف مما حدث إلا أن الغموض بحد ذاته كان مخيفًا. وعلى الرغم من أنهم لم يعاملوني بشدة تذكر في الأركان وتبين لهم خلال يومين اثنين أنني لم أكن الشخص المطلوب، إلا أن الفترة التي أمضيتها بين الزنازين وفي أقبية المخابرات حينذاك كانت كافية لأتبين فظاعة الوضع هناك ومقدار الرهبة والمعاناة التي يلاقيها السجناء: طريقة الأسئلة .. الكلمات البذيئة والمسبات .. الصفعات والإهانات .. وأصوات التعذيب واستغاثات المعذبين. وعندما خرجت وعدت إلى الأردن رأيت الأهل الذين علموا بالخبر مضطربين جدًا، وألحوا علي أن لا أعود. لكنني أصرت على العودة، ورجعت بالفعل إلى كليتي، وإلى تأدية مهمتي مراسلًا مثلما كنت بين القيادة في عمان وأبي الفرج في دمشق.
أبو الفَرَج
كان أبو الفرج رحمه الله العنصر القيادي الأنشط في مجموعة قيادة دمشق. وسالم هو الإبن الأصغر للشيخ محمد الحامد رحمه الله أحد العلماء المشهورين في حماة. وربما كان ذلك أهم أسباب توليته المزيد من المسؤوليات. ولا أزال أذكر أنه طلب مني أواخر أيامه أن يستلم كل المراسلات القادمة من عمان ليوزعها على مراسلي المحافظات بنفسه. وعندما أبديت له خشيتي أن ترهقه المسؤولية أو أن تزداد نسبة انكشافه بازدياد الذين يلتقيهم أصر. وفي اللقاء التالي قال لي بأن الشيخ سعيد حوى يريد ذلك أيضًا ويأمر به. فلم يسعني إلا أن أجيب طلبه. وكان من مفارقات الأمور أن اعتقال سالم أتى بعد فترة وجيزة عن طريق اعتقال أحد هؤلاء المراسلين أنفسهم!
لم يكن سالم وهو أمين سر تنظيم دمشق يمشي مسلحًا، وعندما سألناه عن ذلك مرة قال لنا: ان حدث شيء فلن يتمكنوا من اعتقالي، فإما أن أموت أو أن أفلت منهم. لكن الظروف أتت على غير ما توقع سالم، ففي شهر آب عام 1980 تم اعتقال مراسل حمص، ولم يكن بين اعتقاله